منتدى جلاكسو

القسم العام => المنتدى العام => الموضوع حرر بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:36:am

العنوان: مُعاذ بن جبل
أرسل بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:36:am

مُعَاذ بنُ جَبَل
***
((أعلمهم بالحلال والحرام))

عندماكان الرسول عليه الصلاة والسلام يبايع الأنصار بيعة العقبة الثانية ، كانيجلس بين السبعين الذين يتكوّن منهم وفدهم ، شاب مشرق الوجه ، رائع النظرة، برّاق الثنايا .. يبهر الأبصار بهدوئه وسَمْتِه ، فإذا تحدّث ازدادتالأبصار انبهاراً ..!!
ذلك كان ((معاذ بن جبل)) ـ رضي الله عنه ـ ..
هوإذاً رجل من الأنصار ، بايع يوم العقبة الثانية ، فصار من السابقينالأولين .. ورجل له مثل أسبقيته ، ومثل إيمانه ويقينه ، لا يتخلف عن رسولالله صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزوة ، وهكذا صنع معاذ ..
على أن آلق مزاياه ، وأعظم خصائصه ـ كان فقهه ..
بلغ من الفقه والعلم المدى الذي جعله أهلاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنه :
((أعلم أمّتي بالحلالِ والحرامِ ، مُعاذ بن جبل)) ...
وكانشبيه عمر بن الخطاب في استنارة عقله ، وشجاعة ذكائه ؛ سأله الرسول صلىالله عليه وسلم حين وجّهه إلى اليمن : ((بِمَ تقضي يا معاذ))؟
فأجابه قائلاً : ((بكتاب الله)) ..
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((فإن لم تَجِد في كتاب الله)) ...؟؟
قال معاذ : ((أقضي بسنّة رسوله)) ...
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((فإن لم تجد في سنّة رسوله)) ..؟؟
قال معاذ : ((أجتهدُ رأيي ، لا آلُو)) ...
فتهلّل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال :
((الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يُرضي رسول الله)) .
فولاءمعاذ لكتاب الله ، ولسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحجب عقله عنمتابعة رؤاه ، ولا يحجب عن عقله تلك الحقائق الهائلة المستسِرّة ؛ التيتنتظر من يكتشفها ويواجهها .
ولعل هذه القدرةعلى الاجتهاد ، والشجاعة في استعمال الذكاء والعقل ، هما اللتان مكّنتامعاذاً من ثرائه الفقهي الذي فاق به أقرانه وإخوانه ، وصار ـ كما وصفهالرسول صلى الله عليه وسلم ـ :
((أعلم الناس بالحلال والحرام)) .
وإنالروايات التاريخية لتصوره ـ حيثما كان ـ العقل المضيء الحازم الذي يحسنالفصل في الأمور .. فهذا ((عائذ بن عبد الله)) يحدّثنا أنه دخل المسجديوماً مع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في أول خلافة عمر .. قال :
((فجلستُمجلساً فيه بضع وثلاثون ، كلهم يَذكرون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليهوسلم ، وفي الحلقة شاب شديد الأدمَة ، حلو المنطق ، وضيء ، وهو أشبُّالقوم سِنّاً ، فإذا اشتبه عليهم من الحديث شيء ردّوه إليه فأفتاهم ، ولايحدّثهم إلا حين يسألونه ، ولمّا قُضِيَ مجلسهم دنوتُ منه وسألته :
مَن أنت يا عبد الله ؟؟ .. قال : أنا مُعاذ بن جبل)) .
وهذا أبو مسلم الخولاني يقول :
((دخلتُمسجد ـ حمص ـ فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا ، صامت لايتكلم .. فإذا امترى القوم في شيء توجّهوا إليه يسألونه .. فقلت لجليس لي: مَن هذا ..؟ قال : مُعاذ بن جبل .. فوقع في نفسي حُبُّه)) .
وهذا شهر بن حَوْشب يقول :
((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدّثوا وفيهم معاذ بن جبل ، نظروا إليه هيبةً له)) ..
ولقدكان أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ يستشيره كثيراً .. وكان يقول فيبعض المواطن التي يستعين فيها برأي معاذ وفقهه : ((لولا معاذ بن جبللَهَلَك عمر)) ..
ويبدو أن معاذاً كان يمتلكعقلاً أحسن تدريبه ، ومنطقاً آسراً مقنعاً ، ينساب في هدوء وإحاطة ..فحيثما نلتقي به من خلال الروايات التاريخية عنه ، نجده كما أسلفنا واسطةالعِقْد .. فهو دائماً جالس والناس حوله .. وهو صموت ، لا يتحدث إلا علىشوق الجالسين إلى حديثه ... وإذا اختلف الجالسون في أمر ، أعادوه إلى معاذ؛ ليفصل فيه .. فإذا تكلم ، كان ـ كما وصفه أحد معاصريه ـ :
((كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ)) ...
ولقدبلغ كل هذه المنزلة في علمه ، وفي إجلال المسلمين له ، أيام الرسول صلىالله عليه وسلم وبعد مماته ، وهو شاب .. فلقد مات معاذ في خلافة عمر ولميتجاوز من العمر ثلاثاً وثلاثين سنة ..!!
وكان معاذ سَمْح اليد ، والنفس ، والخلق .. فلا يسأل عن شيء إلا أعطاه جزلان مغتبطاً .. ولقد ذهب جوده وسخاؤه بكل ماله .
وماتالرسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ باليمن منذ وجّهه النبي إليها يعلّمالمسلمين ويفقّههم في الدين .. وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ من اليمن ،وكان عمر قد علم أن معاذاً أثرى .. فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطرهثروته وماله ..!! ولم ينتظر عمر ، بل نهض مسرعاً إلى دار معاذ وألقى عليهمقالته ..
كان معاذ طاهر الكفّ ، طاهر الذمة ،ولئن كان قد أثرى ، فإنه لم يكتسب إثماً ، ولم يقترف شبهة ، ومن ثم فقدرفض عرض عمر ، وناقشه رأيه .. وتركه عمر وانصرف ...
وفي الغداة ، كان معاذ يطوي الأرض حثيثاً شطر دار عمر .. ولا يكاد يلقاه .. حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول :
((لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمة ماء ، أخشى على نفسي الغرق ، حتى جئت فخلصتني يا عمر)) .
وذهبا معاً إلى أبي بكر .. وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله ، فقال أبو بكر :
((لا آخذ منك شيئاً)) ..
فنظر عمر إلى معاذ وقال له :
((الآن حلّ وطاب)) ..
ماكان أبو بكر الورِع ليترك لمعاذ درهماً واحداً ، لو علم أنه أخذه بغير حقّ.. وما كان عمر متجنياً على معاذ بتهمة أو ظن .. وإنما هو ((عصر المُثُل))كان يزخر بقوم يتسابقون إلى ذُرى الكمال الميسور ، فمنهم الطائر المحلّقومنهم المهرول ، ومنهم المقتصد .. ولكنهم جميعاً في قافلة الخير سائرون .
ويهاجرمعاذ إلى الشام ، حيث يعيش بين أهلها والوافدين عليها معلّماً وفقيهاً ،فإذا مات أميرها أبو عبيدة الذي كان الصديق الحميم لمعاذ ، استخلفه أميرالمؤمنين عمر على الشام ، ولا يمضي عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتىيلقى ربّه مخبتاً منيباً ...
وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول :
((لواستخلفتُ معاذ بن جبل ، فسألني ربّي : لماذا استخلفته ؟ لقلت : سمعتُنبيّك يقول : إنّ العلماء إذا حضروا ربّهم ـ عزّ وجلّ ـ كان معاذ بينأيديهم)) ..
والاستخلاف الذي يعنيه عمر هنا ، هو الاستخلاف على المسلمين جميعاً ، لا على بلد أو ولاية ..
فلقد سئل عمر قبل موته : لو عهدت إلينا ..؟ أي : اخترت خليفتك بنفسك وبايعناك عليه؟؟..
فأجاب قائلاً :
((لوكان معاذ بن جبل حيّاً ، ووَلّيته ، ثم قَدِمتُ على ربّي ـ عزّ وجلّ ـفسألني : مَن وَلّيت على أمّّة محمد ، لقلت : ولّيت عليهم معاذ بن جبل ،بعد أن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : معاذ بن جبل إمام العلماء يوم القيامة)) .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً :
((يا معاذ .. والله إني لأحبّكَ فلا تنسَ أن تقول في عقِب كل صلاة :((اللهم أعنِّي على ذِكرك ، وشكرك ، وحُسن عبادتك)) ..
أجل.. اللهم أعنّي .. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم دائب الإلحاح علىهذا المعنى العظيم الذي يدرك الناس به أنه لا حول لهم ولا قوة ، ولا سندولا عون إلا بالله ، ومن الله العلي العظيم ..
ولقد حذِق معاذ الدرس وأجاد تطبيقه ..
لقِيهُ الرسول صلى الله عليه وسلم صباح فسأله : ((كيف أصبحتَ يا معاذ)).؟؟
قال : ((أصبحتُ مؤمناً حقّاً يا رسول الله)) .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنّ لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك)) ..؟؟
قال معاذ : ((ما أصبحتُ صباحاً قطّ ، إلا ظننتُ أني لا أُمسِي .. ولا أَمسَيتُ مساء إلا ظَننتُ أني لا أُصبح ..
ولا خطوتُ خطوة إلا ظننتُ أني لا أُتبِعُها غيرها ..
وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تُدعى إلى كتابِها ..
وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنعّمون ..
وأهل النار في النار يُعَذّبون ... )) .
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ((عرفتَ فالزمْ)) ..
أجل لقد أسلم معاذ كل نفسه وكل مصيره لله ، فلم يَعُد يبصر شيئاً سواه .. ولقد أجاد ابن مسعود وصفه حين قال :
((إنّ معاذاً كان أُمّةً ، قَانِتاً لله حنِيفاً ، ولقد كُنّا نُشبِّهُ معاذاً بإبراهيم عليه السلام)) ...
وكان معاذ دائب الدعوة إلى العلم ، وإلى ذكر الله .. وكان يدعو الناس إلى التماس العلم الصحيح النافع ، ويقول :
((احذروا زَيْغ الحكيم .. واعرفوا الحقّ بالحقّ ، فإن للحقّ نوراً)) ..!!
وكان يرى العبادة قصداً ، وعدلاً ..
قال له يوماً أحد المسلمين : علّمني .
فسأله معاذ : وهل أنت مطيعي إذا علمتك ..؟؟
قال الرجل : إني على طاعتك لحريص ..
فقال له معاذ :
((صُمْ ، وأفطِر .. وصَلِّ ، ونَمْ ـ أي: لا تقم الليل كلّه مصلّياً ـ ...
واكتسب ، ولا تأثم ...
ولا تموتنّ إلأ مسلماً ...
وإياك ودَعوة المظلوم)) .
وكان يرى العلم معرفة ، وعملاً .. فيقول :
((تعلّموا ما شئتم أن تتعلّموا ، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تَعمَلوا)) ...
وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضاراً دائماً لعظمته ، ومراجعة دائمة لسلوك النفس .
يقول الأسود بن هلال :
((كُنّا نمشي مع معاذ ، فقال لنا : اجلسوا بنا نُؤمّن ساعة)) ..
ولعلسبب صمته الكثير كان راجعاً إلى عملية التأمّل والتفكّر التي لا تهدأ ولاتكفّ داخل نفسه .. هذا الذي كان كما قال للرسول صلى الله عليه وسلم : لايخطو خطوة ، ويظن أنه سيتبعها بأخرى .. وذلك من فرط استغراقه في ذكره ربّه، واستغراقه في محاسبته نفسَه ..
وحان أجل معاذ .. ودُعِي للقاء الله ..
وفي سكرات الموت تنطلق عن اللاشعور حقيقة كل حيّ ، وتجري على لسانه ـ إن استطاع الحديث ـ كلمات تلخّص أمره وحياته ..
وفي تلك اللحظات قال معاذ كلمات عظيمة تكشف عن مؤمن عظيم .. فقد كان يحدق في السماء ويقول مناجياً ربّه الرحيم :
((اللهمإني كُنتُ أخافك ، لكنني اليوم أرجوك ، اللهم إنك تعلم أنّي لم أكُن أحبُّالدنيا لجري الأنهار ، ولا لِغرسِ الأشجار ... ولكن لظمأ الهواجر ،ومُكابدة الساعات ، ونَيلِ المزيد من العلم ، والإيمان ، والطاعة)) .
وبَسطَ يمينه ؛ كأنه يصافح الموت ، وراح في غيبوبته يقول :


((مرحباً بالموت .. حبيبٌ جاء على فاقة))
وسافر ((معاذ)) إلى الله .
[/COLOR]

المصدر
كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم*
للمؤلف خالد محمد خالد