منتدى جلاكسو

القسم العام => المنتدى العام => الموضوع حرر بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:39:am

العنوان: أبو أيّوب الأنصاريّ
أرسل بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:39:am

أَبُو أَيُّوبَ الأَنصَاريُّ
خالدٌ بنُ زَيدِ النَّجَّاريُّ
***
((يُدفن تحت أسوار القُسطنطِينيَّة))
..........

هذا الصحابي الجليل يُدعى خالد بن زيد بن كُليب ، من بني ((النّجّار)) .. أمّا كُنيته فأبو أيّوب .. وأمّا نسبته فإلى الأنصار .
ومن منَّا معشرَ المسلمين لا يعرف أبا أيّوب الأنصاريّ ؟! .
فقدرفع الله في الشرق والغرب ذِكره ، وأعلى في الخلق قدره ؛ حين اختار بيتهمن دون بيوت المسلمين جميعاً لينزل فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلملمّا حلَّ في المدينة مُهاجراً ، وحسبُهُ بذلك فخراً .
ولنزُول الرسول صلوات الله عليه في بيت أبي أيّوب قصّة يحلو تردادها ويلذُّ تكرارها .
ذلكأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغ المدينة تلقّته أفئدة أهلها بأكرمما يُتلقّى بهِ وافد ... وتطلَّعت إليه عيونهم تبثّه شوق الحبيب إلى حبيبه... وفتحوا له قلوبهم ليحلَّ منها في السّويداء ـ أي في أعماق القلوب ـ... وأشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعزّ منزل .
لكنالرسول صلوات الله وسلامه عليه ، قضى في ((قباء)) من ضواحي المدينةأيّاماً أربعة ، بنى خِلالها مسجده الذي هو أوّل مسجد أُسّس على التّقوى .
ثمَّخرج منها راكباً ناقته ، فوقف سادات ((يثرب)) في طريقها ، كلٌّ يريد أنيظفر بشرف نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ... وكانوا يعترضونالنّاقة سيّداً إثرَ سيّد ، ويقولون :
أقِم عِندنا يا رسول الله في العَدَدِ والعُدَدِ والمَنعَة (المنعة: القوّة التي تمنع من يريده بسوء) .
فيقول لهم : (دعوها فإنّها مأمورة) .
وتظلّالناقة تمضي إلى غايتها تتبعها العيون ، وتحفّ بها القلوب ... فإذا جازتمنزلاً حزِنَ أهله وأصابهم اليأس ، بينما يُشرق الأمل في نفوس من يليهم .
ومازالت الناقة على حالها هذه ، والناس يمضون في إثرها ، وهم يتلهّفون شوقاًلمعرفة السّعيد المحظوظ ؛ حتّى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيّوبالأنصاريّ ، وبركت فيها ...لكنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينزل عنها... فما لبثت أن وثبت وانطلقت تمشي ، والرسول صلى الله عليه وسلم مُرخٍلها زمامها ، ثمّ ما لبثت أن عادت أدراجها وبركت في مبركها الأوّل .
عندذلك غمرت الفرحة فؤاد أبي أيّوب الأنصاريّ ، وبادر إلى رسول الله صلواتالله عليه يُرحّب به ، وحمل متاعه بين يديه ، وكأنّما يحمل كنوز الدنياكلّها ، ومضى بهِ إلى بيته .
كانمنزل أبي أيّوب يتألّف من طبقة فوقها عُلّيَّة ، فأخلى العُلّيَّة منمتاعه ومتاع أهله ليُنزِلَ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ... لكنَّالنبي عليه الصلاة والسلام آثَرَ عليها الطّبقة السُّفلى ، فامتثلَ أبوأيّوب لأمره ، وأنزلَهُ حيث أحبَّ .
ولمّاأقبل الليل ، وأوى الرسول صلوات الله عليه إلى فراشه ، صعدَ أبو أيّوبالأنصاريّ وزوجه إلى العُلّيّة ، وما إن أغلقا عليهما بابها حتّى التفّتَأبو أيّوب إلى زوجته وقال :
وَيحَكِ، ماذا صَنعنَا ؟! ... أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل ، ونحنأعلى منه ؟! ... أَنَمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ... أنَصيرُبين النبي والوحي ؟! إنّا إذن لهالكون .
وسُقِطَ في أيدي الزّوجين ـ أي تحيّرا وندِما ـ وهما لا يدريان ما يفعلان .
ولمتسكن نفساهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العُلّيّة الذي لا يقعفوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين علىالأطراف مُتباعِدين عن الوسط .
فلمّا أصبح أبو أيّوب ؛ قال للنبي عليه الصلاة والسلام :
واللهِ ما أُغمِضَ لنا جفن في هذه الليلة ، لا أنا ولا أمّ أيّوب .
فقال عليه الصلاة والسلام : (وممَّ ذاكَ يا أبا أيّوب؟!) .
قال : ذكرتُ أنِّي على ظهر بيت أنت تحته ، وأنّي إذا تحرّكت تناثرَ عليك الغُبار فآذاك ، ثمّ أنِّي غدوت بينك وبين الوحي .
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام :
((هوّن عليك يا أبا أيّوب ، إنَّهُ أرفقُ بنا أن نكونَ في السٌّفلِ ؛ لكثرةِ مَن يغشانا ـ أي يزورنا ـ من الناس )) .
قال أبو أيّوب :
فامتثلتلأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت لناجرّة وأريق ماؤها في العُلّيَّة ، فقُمتُ إلى الماء أنا وأمّ أيّوب ، وليسلدينا إلا قطيفة ـ أي قطعة من المخمل ـ كُنّا نتّخذها لِحافاً ، وجعلنانُنشّف بها الماء خوفاً من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلمّا كان الصّباح غدوت على الرسول صلوات الله عليه ، وقلت :
بأبيأنت وأمّي ، إنّي أكره أن أكون فوقك ، وأن تكون أسفل منّي ... ثمّ قصصتُعليه خبر الجرّة ، فاستجاب لي ، وصعدَ إلى العُلّيّة ، ونزلتُ أنا وأمّأيّوب إلى السُّفل .
أقامالنبي عليه الصلاة والسلام في بيت أبي أيّوب نحواً من سبعة أشهر ، حتّىتمّ بناء مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها النّاقة ، فانتقل إلىالحُجرات التي أقيمت حول المسجد له ولأزواجه ، فغدا جاراً لأبي أيّوب ،أكرِم بهما من مُتجاورين .
أحبَّأبو أيّوب رسول الله صلوات الله عليه حُبَّاً ملكَ عليه قلبهُ ولُبّه ،وأحبَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أبا أيّوب حُبّاً أزال الكُلفةفيما بينه وبينه ، وجعلهُ ينظُر إلى بيت أبي أيّوب كأنّهُ بيتُهُ .
حدَّثَ ابن عبَّاس قال :
خرج أبو بكر رضي الله عنه بالهاجِرة ـ أي في نصف النهار في شدّة القيظ ـ إلى المسجد فرآه عمر رضي الله عنه ، فقال :
يا أبا بكر ما أخرجَكَ هذه الساعة ؟! .
قال : ما أخرجني إلا ما أجِدُ من شدّة الجوع .
فقال عمر : وأنا واللهِ ما أخرجني غيرُ ذلك .
فبينما هما كذلك ؛ إذ خرجَ عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
(ما أخرجَكما هذه الساعة؟!) .
قالا : واللهِ ما أخرجنا إلا ما نجِدُهُ في بطوننا من شدّة الجوع .
قال عليه السلام : ( وأنا ـ والذي نفسي بيده ـ ما أخرجني غيرُ ذلك ... قوما معي ).
فانطلقوافأتوا باب أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه ، وكان أبو أيّوب يدَّخرلرسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ يوم طعاماً ، فإذا أبطأ عنه ولم يأتِإليه في حينه أطعمه لأهله .. فلمّا بلغوا الباب خرجت إليهم أمّ أيّوب ،وقالت : مرحباً بنبيّ الله وبمَن معه .
فقاللها النبي عليه الصلاة والسلام : (أينَ أبو أيّوب ؟) ... فسمعَ أبو أيّوبصوت النبي صلى الله عليه وسلم ـ وكان يعمل في نحل قريب له ـ فأقبل يُسرِع، وهو يقول :
مرحباً برسول الله وبِمَن معه ، ثُمَّ أتبعَ قائلاً :
يا نبيَّ اللهِ ليس هذا بالوقت الذي كُنتَ تجيء فيه .
فقالعليه الصلاة والسلام : (صدقتَ) ، ثمَّ انطلقَ أبو أيّوب إلى نخيله فقطعَمنهَ عِذقاً ـ أي غصن له شِعب ـ فيه تمرٌ ورُطَب وبُسْرٌ ـ الرطب: ما نضجمن تمر النخل ، والبسر: ما لم يكتمل نضجه ـ .
فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أردتُ أن تقطع هذا ، ألا جَنيتَ لنا من تَمرِه ؟) .
قال : يا رسول الله أحببتُ أن تأكُلَ من تمرِهِ ورُطَبِهِ وبُسْرِهِ ، ولأذبحنَّ لك أيضاً .
قال : ( إن ذبحتَ فلا تذبحنَّ ذات لبنٍ ) .
فأخذأبو أيّوب جَدياً فذَبحه ، ثمَّ قال لامرأته : اعْجِني واخبزي لنا ، وأنتِأعلم بالخَبزِ ، ثمّ أخذَ نصف الجَدي فطبخَهُ ، وعمَدَ إلى نصفه الثانيفشواه ، فلمَّا نضِجَ الطعام ووُضِعَ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلموصاحبيه ، أخذَ الرسول قطعة من الجدي ووضعها في رغيف ، وقال :
(يا أبا أيّوب ، بادِر بهذه القِطعة إلى فاطمة ، فإنّها لم تُصِب مثل هذا منذُ أيّام ) ..
فلمّا أكلوا وشبِعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(خُبزٌ ، ولحمٌ ، وتمرٌ ، وبسرٌ ، ورُطبٌ !!! ) ... ودمَعت عيناه ثمَّ قال :
( والذي نفسي بيده إنَّ هذا هو النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة ، فإذا أصبتم مثلَ هذا فضربتم بأيديكم فيه فقولوا :
بسمِ اللهِ ، فإذا شبِعتم فقولوا : الحمدُ للهِ الذي هوَ أشبعنا وأنعمَ علينا فأفضَلَ ).
ثمَّ نهض الرسول صلوات الله عليه ، وقال لأبي أيّوب :
( ائْتِنَا غداً ) .
وكانعليه الصلاة والسلام لا يصنع له أحدٌ معروفاً إلا أحبَّ أن يُجازيَهُ عليه، لكنَّ أبا أيّوب لم يسمع ذلك .. فقال له عمر رِضوان الله عليه :
إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يأمُرُكَ أن تأتيهِ غداً يا أبا أيّوب .
فقال أبو أيّوب : سَمعاً وطاعةً لرسول الله .
فلمّا كان الغد ذهبَ أبو أيّوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاه جاريةً صغيرة كانت تخدمه ، وقال له :
( اسْتوصِ بها خيراً ـ يا أبا أيّوب ـ فإنّا لم نرَ منها إلا خيراً ما دامت عِندنا ) .
عاد أبو أيّوب إلى بيته ومعه الجارية ؛ فلمّا رأتها أمّ أيّوب :
قالت : لِمن هذه يا أبا أيّوب ؟! .
قال : لنا ... مَنَحنا إيَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقالت : أعظِم بهِ من مانِحٍ ؛ وأكرِم بها من مِنحةٍ .
فقال : وقد أوصانا بها خيراً .
فقالت : وكيفَ نصنع بها حتّى نُنفِّذ وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .
فقال : واللهِ لا أجدُ لوصيّة رسول الله بها خيراً مِن أن أُعتِقها .
فقالت : هُدِيتَ إلى الصّواب ، فأنتَ مُوفّقٌ ... ثمّ أعتقها .
هذه بعض صور حياة أبي أيّوب الأنصاريّ في سِلمِهِ ، فلو أُتيحَ لكَ أن تقِفَ على بعض صور حياته في حربِهِ لرأيتَ عجبَاً ...
فقد عاش أبو أيّوب رضي الله عنه طول حياته غازياً حتّى قِيلَ :
إنّه لم يتخلّف عن غزوة غزاها المسلمون منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زمن معاوية إلا إذا كان مُنشغِلاً عنها بأخرى .
وكانتآخر غزواته حين جهّز معاوية جيشاً بقيادة ابنه ((يَزيد)) ، لِفتحِ((القُسطَنطِينيَّة)) ، وكان أبو أيّوب آنذاك شيخاً طاعِناً في السّنّيحبو نحوَ الثمانين من عمره ؛ فلم يمنعه ذلك من أن ينضمّ تحت لواء((يزيد)) ، وأن يشقّ أمواج البحر غازياً في سبيل الله .
لكنّه لم يمضِ غير قليل على منازلة العدوّ حتّى مرِض أبو أيّوب مرَضاً أقعدَه عن مواصلة القتال ، فجاء (يزيد)) ليعُودَهُ وسألَهُ :
ألَكَ من حاجةٍ يا أبا أيّوب ؟ .
فقال : اِقرَأ عنِّي السلام على جُنودِ المسلمين ، وقل لهم :
يُوصيكمأبو أيّوب أن تُوغِلوا في أرضِ العدوِّ إلى أبعدِ غايةٍ ، وأن تحمِلوهمعكم ، وأن تدفِنوه تحت أقدامِكم عِندَ أسوار ((القُسطنطينيّة)) ... ولفظَأنفاسَهُ الطَّاهِرة .
استجابجُندُ المسلمين لِرغبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكرُّوا علىجُند العدوِّ الكرَّة بعدَ الكرَّة ، حتَّى بلغوا أسوار ((القسطنطينيّة))وهم يحملوا أبا أيّوب معهم ... وهُناكَ حفروا له قبراً وواروهُ فيه .

رحِمَ اللهُ أبا أيّوب الأنصاريَّ ...
فقد أبى إلا أن يموتَ على ظُهورِ الجِيادِ الصَّافِنات ـ وهي صفة من صفات الجياد الكريمة ـ غازياً في سبيل الله ... وسِنُّهُ تُقارِب الثمانين .

المصدر
كتاب صور من حياة الصحابة
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله