منتدى جلاكسو

القسم العام => المنتدى العام => الموضوع حرر بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:45:am

العنوان: الحسنُ البصرِيّ
أرسل بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:45:am

الحَسَنُ البَصرِيُّ
***

((كيف يضلّ قوم فيهم مثل الحسن البصريّ ؟!)) ... )مَسْلَمَةُ بنُ عبدِ الملِكِ(
...........

جاء البشير يُبشِّر زوج النبي ((أمّ سلمة)) بأنّ مولاتها ((خَيْرَةَ)) قد وضعت حملها وولدت غُلاماً .
فغمرتالفرحة فؤاد أمُّ المؤمنين رضوان الله عليها ، وطَفَحَ البِشرُ(أي: فاضالسُّرور) على مُحيَّاها النّبيل الوقور .(محيّاها: وجهها) .
وبادرت فأرسلت رسولاً ليَحمل إليها الوالدة ومولودها ، لِتقضي فترة النِّفاس في بيتها .
فقد كانت خَيْرَةَ أثيرة(أثيرة: عزيزة مكرمة) لدى أمّ سلمة ، حبيبة إلى قلبها ... وكان بها لهفة وتشوّق ؛ لرؤية وليدها البكر ...
وماهو إلا قليل حتّى جاءت خيرة تحمل طفلها على يديها ... فلمّا وقعت عَينَاأمّ سلمة على الطفل امتلأت نفسها أُنساً به ، وارتياحاً له ... فقد كانالوليد الصّغير قسيماً وسيماً (أي: جميلاً حسن الوجه) ، بهِيّ الطَّلعة ،تامَّ الخلقة ؛ يملأ عين مُجتليه(أي: يسرّ الناظر إليه) ، ويأسر فؤادرائيه .
ثمّ التفتت أمّ سلمة إلى مولاتها وقالت :
أسمّيت غلامك يا خيرة ؟ ...
فقالت : كلا يا أمَّاه ... لقد تركت ذلك لكِ ؛ لتختاري له من الأسماء ما تشائين .
فقالت : نُسمّيه – على بركة الله – الحَسَنَ .
ثمَّ رفعت يديها ودعت له بصالح الدُّعاء .
لكن الفرحة بالحسن لم تقتصر على بيت أمّ المؤمنين أمّ سلمة رضوان الله عليها ، وإنّما شاركها فيها بيت آخر من بيوت المدينة .
هو بيت الصّحابيّ الجليل زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ذلك أنّ ((يَسَاراً)) والد الصّبي كان مولىً له أيضاً ... وكان من آثر الناس عنده (أي: من أعزّ الناس وأكرمهم عنده) ، وأحبهم إليه .

نشأالحسن بن يسار (الذي عرف فيما بعد بالحسن البصري) في بيت من بيوت رسولالله صلى الله عليه وسلم ... ورُبِّيَ في حِجْرِ زوجة من زوجات النبي صلىالله عليه وسلم هي (((هِنْدُ بِنْتُ سُهَيْلٍ ))) المعروفة بأمّ سلمة.
وأمّ سلمة ـ إن كنت لا تعلم ـ كانت من أكمل نساء العرب عقلاً ، وأوفرهنَّ فضلاً ، وأشدِّهنَّ حزماً .
كماكانت من أوسع زوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عِلماً ، وأكثرهنَّرواية عنه ... حيث روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وسبعةوثمانين حديثاً ... وكانت إلى ذلك كلّه من النساء القليلات النّادراتاللّواتي يكتبن في الجاهليّة ... ولم تقف صِلة الصّبي المحظوظ بأمّالمؤمنين أم سلمة عند هذا الحدِّ ... وإنّما امتدّت إلى أبعد من ذلك ...
فكثيراًما كانت خيرة أمّ الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين ، فكانالطّفل الرّضيع يبكي من جوعه ، ويشتدّ بُكاؤه فتأخذه أم سلمة إلى حِجرها ،وتُلقِمُهُ ثدييها ؛ لِتُصبَّره به وتشغله عن غياب أمّه ... فكانت لشدّةحُبِّها إيّاه يدرُّ ثديُها لبناً سائغاً في فمه فيَرضَعَه الصّبي ويسكتعليه .
وبذلك غدت أم سلمة أمّاً للحسن من جهتين :
فهي أمّه بوصفه أحد المؤمنين ...
وهي أمّه من الرَّضاع أيضاً ...
وقدأتاحت الصّلات الوثيقة بين أمّهات المؤمنين ، وقرب بيوت بعضهنَّ من بعضللغُلام السّعيد أن يتردّد على هذه البيوت كلّها ... وأن يتخلَّق بأخلاقربَّاتها جميعاً ... وأن يهتدي بهديهنَّ ...
وقدكان ـ كما يُحدِّث عن نفسه ـ يملأ هذه البيوت بحركته الدَّائبة ، ويُترعهابلعبه النّشيط ... حتّى إنّه كان ينال سقوف بيوت أمّهات المؤمنين بيديهوهو يقفز فيها قفزاً .
ظلَّالحسن يتقلّب في هذه الأجواء العطِرة بطيوب النّبوّة ، المتألّقة بسناها... وينهل من تلك الموارد العذبة التي حفلت بها بيوت أمّهات المؤمنين ...ويتتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
حيثروى عن عثمان بن عفّان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي موسى الأشعريِّ ، وعبدالله بن عمر ... وعبد الله بن عبّاس ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ،وغيرهم وغيرهم ...
لكنّه أُولِعَ أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
فقدراعَه منه صلابته في دينه ، وإحسانه لعبادته ، وزَهَادَته بزينة الدّنياوزُخرُفِها ... وخَلَبَهُ منه بيانُهُ المشرق (خَلَبَهُ: سحره وفتنه) ،وحكمته البالغة ، وأقواله الجامعة ، وعظاته التي تهزّ القلوب هزّاً .
فتخلّقبأخلاقه في التُّقى والعبادة ... ونسج على منواله في البيان والفصاحة ...ولمّا بلغ الحسن أربعة عشر ربيعاً من عمره ، ودخل في مداخل الرجال ؛ انتقلمع أبويه إلى البصرة واستقرَّ فيها مع أسرته .
ومن هنا نُسِبَ الحسن إلى البصرة ... وعُرفَ بين الناس بالحسن البصري .

كانت البصرة يوم أمَّهَا الحسن ؛ قلعة من أكبر قلاع العلم في دولة الإسلام ...
وكان مسجدها العظيم ؛ يموج بمن ارتحل إليها من كبار الصّحابة ، وجلّة التّابعين ...
وكانت حلقات العلم على اختلاف ألوانها ؛ تعمُرُ باحات المسجد ومصلاه .
وقدلزم الحسن المسجد ، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عبّاس حَبْرِ أمّة محمدصلى الله عليه وسلم(حَبْرِ أمّة: عالم الأمّة) ، وأخذ عنه التفسيروالحديثوالقراءات.
كما أخذ عنه وعن غيره الفقه ، واللّغة والأدب ، وغيرها وغيرها ... حتّى غدا عالماً جامعاً فقيهاً ثقة .
فأقبلالناس عليه ينهلون من علمه الغزير ... والتفّوا حوله يُنصتون إلى مواعظهالتي تستلين القلوب القاسية ، وتستدرّ الدّموع العاصية .
ويحفظون حكمته الّتي تَخْلِبُ الألباب ... ويتأسّون بسيرته الّتي كانت أطيب من ريح المسك ...
ولقد انتشر أمر الحسن البصري في البلاد وفشا ذكره بين العباد ...
فجعل الخلفاء والأمراء يتساءلون عنه ويتتبّعون أخباره ...
حدّث خالد بن صفوان قال :
لقيتُ مَسلمة بن عبد الملك في (( الحِيرَة )) فقال لي :
أخبرني يا خالد عن حسن البصرة فإنّي أظنُّ أنّك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك .
فقلت : أصلحَ الله الأمير ...أنا خيرُ من يُخبِرك عنه بِعِلم ... فأنا جاره في بيته ، وجليسه في مجلسه ، وأعلم أهل البصرة به .
فقال مَسلَمة : هاتِ ما عندك .
فقلت : إنّه امرؤٌ سريرتُهُ كعلانيَتِهِ ...
وقوله كفِعله ...
إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به ...
وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له ...
ولقد رأيته مُستغنياً عن الناس ؛ زاهداً بما في أيديهم ...
ورأيت الناس محتاجين إليه ؛ طالبين ما عنده ...
فقال مَسلَمة : حسبُكَ يا خالد حَسبُكَ !! .
كيف يضلُّ قوم فيهم مثلُ هذا ؟! .

ولمّا وَلِيَ الحجَّاج بن يوسف الثقفيّ ((العراق)) ، وطغى في ولايته وتجبَّرَ ...
كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدّوا لِطُغيانِه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله ، وجهروا بكلمة الحق في وجهه .
من ذلك أنّ الحجّاج بنى لنفسه بناء في ((واسِط)) .(واسِط: مدينة متوسّطة بين البصرة والكوفة) .
فلمّا فرغ منه ، نادى في الناس أن يخرجوا للفُرجة عليه والدُّعاء له بالبركة .
فلم يشأ الحسن أن يفوّت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه ...
فخرج إليهم ليعظهم ويذكّرهم ، ويُزَهِّدهم بِعَرَضِ الدُّنيا ، ويرغِّبهم بما عند الله عزَّ وجلَّ ...
ولمّابلغ المكان ، ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المُنيف مأخوذة بروعةبِنائه ، مدهوشة بسعة أرجائه ، مشدودة إلى براعة زخارفه ... وقف فيهمخطيباً ، وكان في جُملة ما قاله :
لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين ؛ فوجدنا أنّ ((فرعون)) شيَّد أعظم ممّا شيّد ، وبنى أعلى ممّا بنى ...
ثمّ أهلك الله فرعون ، ودمّر ما بنى وشيّد ...
ليت الحجّاج يعلم أنّ أهل السّماء قد مقتوه ، وأنّ أهل الأرض قد غرُّوه ...(غرُّوه: خدعوه ، ونافقوه حتّى امتلأ غروراً ) .
ومضى يتدفّق على هذا المنوال حتّى أشفق عليه أحد السّامعين من نقمة الحجّاج ، فقال له :
حسبُكَ يا أبا سعيد ... حَسبُكَ .
فقال له الحسن :
لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليُبيِّنُنّه للناس ولا يكتمونه ...
وفي اليوم التالي دخل الحجّاج إلى مجلِسه وهو يتميّز من الغيظ وقال لِجُلاسه :
تبَّاً لكم وسُحقاً ... يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول ، ثمَّ لا يجد فيكم من يردُّه أو يُنكر عليه !! ...
والله لأسقينّكم من دمه يا معشر الجُبناء .
ثمّ أمر بالسّيف والنَّطعِ ...فأُحضِرا ... (النّطع: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بقطع الرأس )
ودعا بالجّلاد ؛ فمثل واقفاً بين يديه .
ثمّ وَجَّه إلى الحسن بعض شُرَطِهِ ... وأمرهم أن يأتوه به ...
وما هو إلا قليل حتّى جاء الحسن ، فشخصت نحوه الأبصار ... ووجفت عليه القلوب .
فلمّا رأى الحسن السّيف والنّطع والجلاد ، حرَّك شفتيه ...
ثمَّ أقبل على الحجّاج وعليه جلال المؤمن ، وعِزَّةُ المُسلم ، ووقار الدّاعية إلى الله .
فلمّا رآه الحجّاج على حاله هذه ؛ هابه أشدَّ الهيبة وقال له :
ها هنا يا أبا سعيد ... ها هنا ...
ثمَّ ما زال يوسّع له ويقول :
ها هنا ... والنّاس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه .
ولمّاأخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجّاج ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدّين ،والحسن يجيبه عن كل مسألة بحنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع .
فقال له الحجّاج :
أنت سيّد العلماء يا أبا سعيد .
ثمّ دعا بغالية(غالية: أنواع من الطّيب تُمزج ويُتطيّب بها) ، وطيَّبَ له بها لِحيَتَه وودَّعه .
ولمّا خرج الحسن من عنده ، تبعه حاجب الحجّاج وقال له :
يا أبا سعيد ، لقد دعاك الحجّاج لغير ما فعل بك ، وإنّي رأيتك عندما أقبلت ورأيت السّيف والنّطع ؛ قد حرّكت شفتيك ، فماذا قلت ؟! .
فقال الحسن : لقد قلت :
ياوليَّ نِعمَتي ومَلاذِي عند كُربَتي ؛ اجعَل نِقمَتَهُ بَردَاً وَسَلاماًعَلَيَّ كَمَا جَعلتَ النَّار بَرداً وسَلاماً على إبراهيم .
ولقدكثرت مواقف الحسن البصري هذه مع الولاة والأمراء ، فكان يخرج من كل منهاعظيماً في أعين ذوي السّلطان ، عزيزاً بالله ، محفوظاً بحفظه ...
منذلك أنّه بعد أن انتقل الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربّهوآلت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك ، ولّى على ((العراق)) عمر بن هبيرةالفزاريّ ...
ثمَّ زاده بسطة في السّلطان فأضاف إليه ((خُراسان)) أيضاً .
وسار يزيد في الناس سيرة غير سيرة سَلَفِهِ العظيم ...
فكانيُرسل إلى عمر بن هبيرة بالكتاب تِلو الكتاب ، ويأمره بإنفاذ ما فيها ولوكان مجافياً للحقِّ أحياناً ...فدعا عمر بن هُبيرة كُلاً من الحسن البصري، وعامر بن شراحبيل المعروف ((بالشَّعبيّ)) وقال لهما :
إنّ أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده ، وأوجب طاعته على الناس .
وقد ولاني ما ترون من أمر ((العراق)) ثمّ زادني فولاني ((فارس)) .
وهو يرسل إليّ أحياناً كُتباً يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئنُّ إلى عدالته .
فهل تَجِدانِ لِي في متابعتي إيَّاه وإنفاذ أوامره مخرجاً في الدّين ؟ .
فأجاب الشّعبيّ جواباً فيه مُلاطفة للخليفة ، ومُسايرة للوالي ... والحسن ساكتٌ ...
فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال :
وما تقول أنت يا أبا سعيد ؟! .
فقال : يا بن هبيرة خَفِ الله في يزيد ؛ ولا تخف يزيد في الله ...
واعلم أن الله عزَّ وجلَّ يمنعكَ من يزيد ، وأنّ يزيد لا يمنعك من الله ...
يابن هبيرة إنّه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره ،فيُزيلك عن سريرك هذا ، وينقلك من سِعة قصرك إلى ضِيق قبرك ...
حيث لا تجد هناك يزيد ، وإنّما تجد عملك الذي خالفت فيه ربّ يزيد ...
يابن هبيرة إنّك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته ؛ يكفِكَ بائقة يزيد بن عبدالملك في الدنيا والآخرة ...(يكفك بائقة يزيد: يمنع عنك أذى يزيد)
وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى ، فإنّ الله يَكِلُكَ إلى يزيد ...
واعلم يا بن هبيرة أنّه لا طاعة لِمخلوق كائناًَ من كان في معصية الخالق عزَّ وجلَّ .
فبكى عمر بن هبيرة حتى بلَّلت دموعه لِحيته ...
ومال عن الشعبيِّ إلى الحسن ...
وبالغ في إعظامه وإكرامه ...
فلمّاخرجا من عنده توجَّها إلى المسجد ، فاجتمع عليهما الناس ، وجعلوايسألونهما عن خبرهما مع أمير ((العِراقين)) (العراقين: الكوفة والبصرة) .
فالتفت الشعبيّ إليهم وقال :
أيّها الناس من استطاع منكم أن يُؤثر(أي: يُفضِّل) الله عزَّ وجلَّ على خلقِه في كل مقام فليفعل ...
فوالَّذي نفسي بيده ما قال الحسن لِعمر بن هبيرة قولاً أجهلُهُ ...
ولكنِّي أردت فيما قلته وجه ابن هُبيرة ، وأراد فيما قاله وجه اللهِ ...
فأقصاني الله منِ ابنِ هبيرة وأدناه منه وحبَّبه إليه .
وقد عاش الحسن البصري نحواً من ثمانين عاماً ملأ الدنيا خلالها عِلماً وحِكمةً وفِقهاً .
وكانمن أجَلِّ ما ورَّثهُ للأجيال رَقائِقُهُ(الرقائق: المواعظ والوصايا ،سمّيت كذلك لرقّتها أو لأنها ترقّق القلوب) التي ظلَّت على الأيام ربيعاًللقلوب ...ومواعظه التي هزَّت وما تزال تهزّ الأفئدة ، وتستدرُّالشُّئُون(الشّئون: العروق التي تجري منها الدموع) ، وتدلُّ التّائهين علىالله ، وتنبّه الغارّين الغافلين إلى حقيقة الدنيا ، وحال الناس معها .
من ذلك قوله لِسائل سأله عن الدنيا وحالها :
تِسألُني عن الدنيا والآخرة !! ...
إنَّ مَثَلَ الدنيا والآخرة كَمَثَلِ المشرِق والمغرِب ... متى ازددت من أحدِهما قُرباً ؛ ازددت من الآخر بُعداً .
وتقول لي صِف لي هذه الدَّار !! ...
فماذا أصِف لكَ من دارٍ أوّلها عناء وآخرها فناء ...
وفي حلالها حِساب ، وفي حرامها عقاب ...
منِ استغنى فيها فُتِنَ ، ومنِ افتقرَ فيها حَزِنَ .

ومن ذلك أيضاً قوله لآخر سأله عن حاله وحال الناس :
وَيْحَنَا ماذا فعلنا بأنفُسنا؟!! ...
لقد أهزلنا دِيننا ، وسَمَّنَّا دُنيانا ...
وأخلقنا أخلاقنا(أي: أبلينا أخلاقنا) ، وجدَّدنا فُرُشُنا وثيابنا ...
يتَّكِئُ أحدنا على شِمالِه ، ويأكل من مالٍ غير مالِهِ ...
طعامُهُ غصبٌ ...
وخِدمَتُهُ سُخرةٌ ...(السُّخرة: العمل قهراً وبلا أجرة)
يدعو بحُلوٍ بعدَ حامِضٍ ...
وبِحارٍّّ بعد باردٍ ...
وبِرطبٍ بعد يابِسٍ ...
حتّىإذا أخذته الكظَّةُ(الكظَّة: ما يعتري الإنسان عند الامتلاء من الطعام منالضّيق والألم) تجَشَّأَ من البَشَمِ(البشم: التُّخمة) ثمَّ قال :
يا غُلام ...
هاتِ هاضوماً يهضِم الطَّعام ...
يا أُحَيْمِقُ ـ واللهِ ـ لن تهضِمَ إلا دينَكَ ...
أين جارُكَ المحتاج ؟!! .
أين يتيم قومك الجائع ؟!! .
أين مسكينك الذي ينظر إليك ؟!! .
أين ما وصَّاكَ به الله عزَّ وجلَّ ؟!! .
ليتَكَ تعلم أنّكَ عددٌ ... وأنَّه كلّما غابت عنك شمس يوم نقص شيء من عدَدِكَ ... ومضَى بعضُكَ مَعَهُ .

وفي ليلة الجُمعة من غُرَّةِ رجبٍ(أي: أوّل رجب) سنة مائة وعشرٍ ، لبَّى الحسن البصري نِداء ربّه ...
فلمَّا أصبح الناس وشاع فيهم نَعيُهُ ؛ ارتجَّت البَصرة لموته رجَّاً ...
فغُسِّلَ وكفِّن وصُلِّيَ عليه بعد الجمعة في الجامع الذي قضى في رحابه جُلَّ حياته عالماً ومُعلِّماً ، وداعياً إلى الله .
ثمَّ تبِعَ الناس جميعاً جنازته ...
فلم تُقم صلاة العصرِ في ذلك اليوم في جامع البصرة... لأنّه لم يبق أحد يُقيم الصّلاة ...
ولا يعلم الناس أنَّ الصّلاة عُطِّلت في جامع البَصرَة منذُ ابتناه المُسلمون إلا في ذلك اليوم ...
يوم انتقال الحسن البصري إلى جوار ربِّهِ .


المصدر
كتاب صور من حياة التابعين
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله