منتدى جلاكسو

القسم العام => المنتدى العام => الموضوع حرر بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:50:am

العنوان: وحشيّ بن حرب
أرسل بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:50:am
وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ
.......

من هذا الذي أدمى فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل عمه حمزة بن عبد المطلب يوم (( أُحُد ))؟!
ثم شفى قلوب المسلمين حين قتل مسيلمة الكذاب يوم (( اليمامة ))؟.
إنه وحشي بن حرب الحبشيّ ، المكنّى (( بأبي دَسْمَة ))... وإن له قصة عنيفة حزينة دامية ... فأعره سمعك ليروي لك مأساته بنفسه ...
قالوحشي : كنت غلاما رقيقا (عبدا) لجُبَيْر بن مُطْعَم ( كان من علماء قريشوساداتهم ؛أسلم وصحب الرسول عليه الصلاة والسلام ) ، وكان عمه ( طُعيمة )قد قُتل يوم بدر على يد حمزة بن عبد المطلب ، فحزن عليه أشد الحزن ؛ وأقسمباللات والعزّى ( صنمان كبيران من أصنام العرب في الجاهليّة ) ليثأرنّلعمه وليقتلنّ قاتله ... وجعل يتربّص بحمزة الفرص .
لميمض على ذلك وقت طويل حتى عقدت قريش العزم على الخروج الى (أحد) للقضاءعلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، والثأر لقتالها في (بدر) ...فكتّبت كتائبها (اي أعدّت ونظّمت) ، وجمعت أحلافها وأعدّت عدّتها ثم أسلمتقيادها الى أبي سفيان بن حرب ... فرأى أبو سفيان أن يجعل مع الجيش طائفةمن عقيلات قريش (اي سادتها ) ؛ ممن قُتل آباؤهنّ أو أبناؤهنّ أو إخوتهنّأو أحد من ذويهنّ في (بدر) ، ليحمّسن الجيش على القتال ، ويحلن دون الرجالودون الفرار ، فكان من طليعة من خرج معه من النساء زوجه ( هند بنت عتبة )... وكان أبوها وعمها وأخوها قد قُتلوا جميعا في (بدر).
ولما أوشك الجيش على الرحيل ، التفت إِلَيَّ ( جبير بن مطعم ) وقال : هل لك يا أبا دسمة في أن تنقذ نفسك من الرقّ ؟
قلت: ومن لي بذلك ؟! ... قال : أنا لك به .... قلت : وكيف ؟! .... قال : إنقتلت حمزة بن عبد المطلب عمِّ محمد بعمِّي ( طعيمة بن عدي ) فأنت عتيق (اي أنت حرّ).... قلت : ومن يضمن لي الوفاء بذلك ؟ ... قال : من تشاء ،ولأُشهدنّ على ذلك الناس جميعا ... قلت : أفعل ، وأنا لها ...
قالوحشي : وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحَبَشَة ، فلا أخطئ شيئا أرميهبها .... فأخذت حربتي ومضيت مع الجيش ، وجعلت أمشي في مؤخرته قريبا منالنساء فما كان لي أرب ( رغبة ) بقتال ... وكنت كلما مررت بهند زوج أبيسفيان أو مرّت بي ورأت الحربة تلتمع في يدي تحت وهج الشمس تقول : أبا دسمة؛ اشفِ واستشفِ ...
فلمابلغنا (أُحُداَ َ) والتقى الجمعان ، خرجت ألتمس حمزة بن عبد المطلب وقدكنت أعرفه من قبل ، ولم يكن حمزة يخفى على أحد ، لأنه كان يضع على رأسهريشة نعامة ليدل الأقران عليه كما كان يفعل ذوو البأس من شجعان العرب .
وماهو إلا قليل حتى رأيت حمزة يهدر بين الجموع كالجمل الأورق (جمل لونه منلون الرماد وهو من أقوى الجمال) وهو يهدّ الناس بسيفه هدّا (يقطعهم قطعا)، فما يصمد أمامه أحد ولا يثبت له شيء ... وفيما كنت أتهيّأ له وأستتر منهبشجرة أو حجر متربّصا أن يدنو مني ، إذ تقدّمني اليه فارس من قريش يدعى (سِباع بن عبد العزَّى ) وهو يقول : بارزني يا حمزة .. بارزني ... فبرز لهحمزة وهو يقول : هلمّ إليّ يا بن المُشركة ...هلمّ إليّ ..ثم ما أسرع أنبادره حمزة بضربة من سيفه ؛ فخرّ صريعا يتخبّط بدمائه بين يديه ... عندذلك وقفت من حمزة موقفا أرضاه ؛ وجعلت أهزّ حربتي حتّى إذا اطمأننت إليهادفعت بها نحوه ، فوقعت في أسفل بطنه وخرجت من بين رجليه .
فخطامتثاقلا نحوي خطوتين ثم ما لبث أن سقط والحربة في جسده ، فتركتها فيه حتىأيقنت أنه مات ، ثم أتيته وانتزعتها منه ورجعت إلى الخيام وقعدت فيها ، إذلم تكن لي حاجة بغيره ؛ وإنما قتلته لأُعتق ...
ثمحمي وطيس المعركة ( أي اشتدّت) وكثر فيها الكرّ والفرّ ، غير أن الدائرةما لبثت أن دارت على أصحاب محمد ؛ وكثر فيهم القتل .... عند ذلك غدت هندبنت عتبة على قتلى المسلمين ومن ورائها طائفة من النساء ، فجعلت تمثّل بهم: فتبقر بطونهم ( تشق بطونهم ) ، وتفقأ عيونهم ، وتجدع أنوفهم وتصلمآذانهم (أي تقطعها) ... ثمّ صنعت من الأنوف والآذان قلادة وأقراطا ( أيطوقا وحلقا) فتحلّت بها ، ودفعت قلادتها وقرطيها الذهبيّين إليّ وقالت :هما لك يا أبا دسمة ....هما لك ... احتفظ بهما فإنهما ثمينان .
ولما وضعت المعركة أوزارها ، عدت مع الجيش إلى مكّة ، فبرّ لي جبير بن مطعم بما وعدني به وأعتق رقبتي فغدوت حرّا ...
لكنأمر محمد جعل ينمو يوما بعد يوم ، وأخذ المسلمون يزدادون ساعة بعد ساعة ،فكنت كلما عظم أمر محمد عظم عليّ الكرب ، وتمكّن الخوف والجزع من نفسي...وما زلت على حالي هذه ، حتى دخل محمد مكّة بجيشه الجرّار فاتحا . عندذلك ولّيت هاربا الى الطائف ألتمس فيها الأمن ، لكن أهل الطائف ما لبثواكثيرا حتى لانوا للإسلام ، وأعدّوا وفدا منهم للقاء محمد وإعلان دخولهم فيدينه .
عندذلك سُقط في يدي (اشتدّ ندمي وازدادت حيرتي ) وضاقت عليّ الأرض بما رحبتوسدّت في وجهي الطرق ، فقلت : ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلادالأخرى ... فوا لله إني لفي غمرة همّي هذه ؛ إذ رقّ لي رجل ناصح وقال :ويحك يا وحشي ، إن محمدا –والله- ما يقتل أحدا من الناس إذا دخل في دينه ،وتشهّد بشهادة الحق .
فماإن سمعت مقالته حتى خرجت ميمّما وجهي شطر (يثرب) أبتغي محمدا ، فلمابلغتها تحسّست أمره فعلمت أنه في المسجد ... فدخلت عليه في خفّة وحذر ،ومضيت نحوه حتى صرت واقفا فوق رأسه وقلت :
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاَ َعَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
فلما سمع الشهادتين رفع بصره إليّ ، فلما عرفني ردّ بصره عنّي وقال : أوحشيّ أنت ؟!
قلت: نعم يا رسول الله .. فقال : اقعد وحدّثني كيف قتلت حمزة ... فقعدتفحدّثته خبره ، فلما فرغت من حديثي ، أشاح عنّي بوجهه (أمال وجهه) وقال :ويحك يا وحشي ، غيّب وجهك عنّي فلا أرينّك بعد اليوم ... فكنت منذ ذلكاليوم أتجنّب أن يقع بصر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عليَّ ، فإذاجلس الصحابة قبالته أخذت مكاني خلفه . وبقيت على ذلك حتى قُبض رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلى جوار ربّه .
وعلىالرغم من أني علمت أن الإسلام يجبّ ما قبله ( يمحو ما قبله من الذنوب) ،فقد ظللت أستشعر فداحة الفعلة التي ارتكبتها ، وأستفظع الرّزء الجليل الذيرزأت به الإسلام والمسلمين (المصيبة التي أصبت بها الإسلام بقتل حمزة ) ،وطفقت أتحيّن الفرصة التي أُكفّر بها عما سلف منّي .
فلمالحق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى ، وآلت خلافة المسلمين إلىصاحبه أبي بكر ، وارتدّت بنو (حنيفة) أصحاب مسيلمة الكذّاب مع المرتدّين ،جهّز خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا لحرب مُسيلمة ؛ وإعادة قومهبني حنيفة إلى دين الله .
فقلتفي نفسي : إنّ هذه-والله- فُرصتك يا وحشيّ فاغتنمها ، ولا تدعها تُفلت منيديك ... ثم خرجت مع جيوش المسلمين ، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها سيّدالشهداء حمزة بن عبد المطلب ، وآليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة أو أظفربالشهادة .
فلمااقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت (( الحديقة الكبيرة التي لجأإليها مسيلمة وأتباعه ، وسميت بذلك لكثرة من مات بها من المرتدّين ) ،والتحموا بأعداء الله ، جعلت أترصّد مُسيلمة ؛ فرأيته قائما والسيف في يده، ورأيت رجلا من الأنصار يتربّص به مثلما أنا أتربّص به : كلانا يريد قتله... فلما وقفت منه موقفا أرضاه ، هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعتبها نحوه ؛ فوقعت فيه ...وفي نفس اللحظة التي أطلقت بها حربتي على مُسيلمةكان الأنصاري (( قيل أن هذا الأنصاري هو عبد الله أخو حبيب بن زيد )) يثبعليه ويكيل له ضربة بالسيف ... فربّك يعلم أيّنا قتله . فإن كنت أنا الذيقتله ؛ أكن قد قتلت خير الناس بعد محمد صلى الله عليه وسلم وقتلت شرّالناس أيضا .


المصدر
كتاب صور من حياة الصحابة
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله