منتدى جلاكسو

القسم العام => المنتدى العام => الموضوع حرر بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:57:am

العنوان: الغُميصاء بنت ملحان
أرسل بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:57:am
الغُمَيصَاءُ بِنتُ ملحَانَ
المُكنَّاة بأمِّ سُلَيمٍ
*****

((ما سمعنا بامرأة قطّ كانت أكرم مهراً من أمّ سُليم ، إذ كان مهرها الإسلام)) ..... ]أهل المدينة[
...........


كانتالغميصاء بنت ملحان ـ حين أهلَّ الإسلام بنوره على الأرض ـ نَصَفَاً تخطونحو الأربعين من عمرها ، وكان زوجها مالك بن النَّضر يُسبِغُ عليها منظلال حبِّه ، وظليل وِداده ما ملأ حياتها نضرة ورغداً ، وكان أهل ((يثرب))يغبطون الزَّوج السَّعيد على ما تتحلَّى به عقِيلته من رجاحة العقل ، وبعدالنَّظر ، وحُسنِ التَّبَعُّل (حسن التّبعّل: أداء حق الزوج بالطاعةوالإحسان) .
وفيذات يوم من أيام الله الخالدة نفذ إلى يثرب ـ مع الدّاعية المكّيّ مُصعببن عُمير ـ أوّل شعاع من أشعة الهداية المحمّديّة ، فتفتَّح له قلبالغميصاء كما تتفتّح أزاهير الرّياض لِتباشير الصّباح ، فما لبثت أن أعلنتإسلامها يوم كان المسلمون ـ في المدينة ـ يُعَدُّون على الأصابع .
ثمَّ دعت الزوجة الوفيّة زوجها الأثير لينهل معها من هذا المنهل الإلهيّ العذب الطّهور ، ويحظى بما حظيت به من سعادة الإيمان ...
لكنَّمالك بن النَّضر لم يشرح للدّين الجديد صدراً ، ولا طاب به نفساً ، بلإنّه دعا زوجه بالمقابل إلى الرّجوع عن الإسلام والعودة إلى دين الآباءوالأجداد وتشبَّث كل من الزوجين بموقفه ، فالغميصاء تكره أن تعود إلىالكفر بعد الإيمان كما يكره المرء أن يقذف في النّار ...
ومالك يتعصَّب لدين الآباء والأجداد في عناد ...
وكانت الغميصاء تملك من قوّة الحجَّة ما تُفحِم به زوجها ، وكان في دعوتها من نور الحقّ ما يفضح باطله الضّعيف المتداعي ...
وكان لمالك صنم من خشب يعبده من دون الله ، فكانت تُحاجُّه في أمرِهِ قائلةً :
أتعبد جذع شجرة نبت في الأرض التي تطؤها بقدميك ، وترمي فيها فضلاتك ؟! ...
أتدعو ـ من دون الله ـ خشبة نجرها لك حبشيّ من صُنَّاع المدينة ؟! .
ولمّاضاق الزّوج ذرعاً بحجج زوجته الدّامغة ، غادر المدينة ومضى هائماً علىوجهه مُتَّجهاً نحو بلاد الشّام ، ثمّ إنّه لم يلبث هناك قليلاً حتّى ماتعلى شِرْكِهِ .
وماإن شاع في المدينة خبر ترمُّل الغميصاء حتّى تشوَّق كثير من الرجال إلىالاقتران بها ، لولا أنّهم كانوا يخشون أن تردّهم خائبين لما بينها وبينهممن الاختلاف في الدّين .
غير أنّ زيد بن سهل المَكْنِيَّ بأبي طلحة أطمَعَهُ في رضاها به ما كان بينهما من روابط القُربى ؛ فكلاهما من بني ((النَّجّار)) .
مضى أبو طلحة إلى بيت الغُميصاء وخاطبها بكُنيتها قائلاً :
يا أمّ سُليم ، لقد جئتُكِ خاطباً ؛ فأرجو ألا أُردَّ خائباً .
فقالت: والله ما مثلك يُردُّ يا أبا طلحة ، ولكنَّك رجل كافر وأنا امرأة مُسلمة، ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجكَ ، فإن تُسلِم فذاك مهري ولا أريد منكصَدَاقاً غير الإسلام .
فقال : دعيني حتّى أنظر في أمري . ومضى ...
ولمَّا كان الغد عاد إليها وقال :
أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهُ ، وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
فقالت : أما وإنَّك قد أسلمت ؛ فقد رضيتك زوجاً ... فجعل الناس يقولون :
ما سمعنا بامرأةٍ قطُّ كانت أكرم مهراً من أمّ سُليم إذ كان مهرها الإسلام .
نَعِمَأبو طلحة بما كانت تتحلَّى به أمّ سُليم من كريم الشمائل ونبيل الخصال ،ثمَّ زاده سعادةً بها أنَّها وضعت له غلاماً غدا قرَّة عينه ، وفرحة قلبه .
لكنَّه بينما كان يتأهَّب لسفر من أسفاره اشتكى الطّفل الصَّغير من عِلّة ألمَّت به ، فجزع عليه جزعاً شديداً كاد يصرفه عن السّفر .
وفي غيبته القصيرة ضعف الغصن النّضير ، ثمَّ وُوري الثّرى ، فقالت أمّ سُليم لأهلها :
لا تُخبروا أبا طلحة بموت ابنه حتّى أُخبره أنا .
عاد أبو طلحة من رحلته فتلقّته أمّ سُليم هاشّة باشّة فرِحةً مستبشرةً ؛ فبادرها بالسؤال عن الصّبي فقالت :
دَعْهُ فإنّه الآن أسكَنُ ما عَرَفتهُ .
ثمَّ قَرَّبت إليه العشاء ، وجعلت تُؤنسه وتدخل على قلبه السّرور ، فلمّا وجدت أنّه شبع واستراح قالت له :
يا أبا طلحة أرأيت لو أنّ قوماً استرجعوا عاريَّةًً أعاروها لآخرين أفمن حقَّهم أن يخطوا عليهم وأن يمنعوها منهم ؟ .
قال : لا .
قالت : إنَّ الله استردَّ منك ما وهبَ ، فاحتسب ولدَكَ عنده ...
فتلقَّى أبو طلحة قضاء الله بالرِّضا والتَّسليم .
ولمَّاأصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدَّثه بما كان من أمّ سُليم، فدعا له ولها بأن يُعوِّضهما الله خيراً ممّا فقداه ، وأن يُبارك لهمافي العِوَضِ ؛ فاستجاب الله جلَّ وعزَّ دعاء نبيِّه صلى الله عليه وسلم ،وحملت أمّ سُليم ، ولمَّا أتمَّت حملها كانت عائدة إلى المدينة من سفر هيوزوجها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلمَّادنوا من يثرب جاءها المخاض فتوقّف أبو طلحة معها ومضى النّبيّ الكريم صلىالله عليه وسلم يُريد دخول المدينة قبل أن يجِنَ عليه اللّيل ، فرفع أبوطلحة طَرفَه إلى السّماء وقال :
إنَّك لتعلم يا ربُّ أنَّه يُعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج ، وأن أدخل معه إذا دخل وقد منعني من ذلك ما ترى .
فقالت له أمّ سُليم :
ياأبا طلحة إنِّي ـ والله ـ لا أجِد من ألم المخاض بهذا المولود ما كنت أجدهمن قبل ، فانطلِق بنا ولا تتأخَّر عن صُحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فانطلقا حتّى إذا بلغا المدينة وضعت حملها ، فإذا هو غلام ، فقالت لمن حولها :
لا يُرضِعهُ أحدٌ قبل أن تذهبوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلمَّا أصبح حمله إليه أخوه أنس بن مالك ، فلمّا رآه النبي صلى الله عليه وسلم مُقبلاً قال :
لعلَّ أمّ سُليم ولَدَت .
فقال: نعم يا رسول الله ... ووضع الغلام في حِجرِه ، فدعا بعَجوةٍ من عجوِالمدينة ولاكها في فمه الشّريف حتّى ذابت ، ووضعها في فمِ الصَّبي ، فجعليتلمَّظها ، ثمَّ مسح وجهه بيده الكريمة ، وسمَّاه عبد الله ، فجاء منصُلبه عشرة من علماء الإسلام الأخيار .
ولقدكان من شأن أمّ سُليم أنّها أحبَّت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهحُبَّاً خالط منها اللَّحم والعظم ، وسكن في حَبَّةِ القلب .وقد بلغ منحُبِّها له ما حدَّث عنه ابنها أنس قال :
كانرسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً في بيتنا ذات نهارٍ ؛ وكطان الحرُّشديداً ، فأخذ العرق يتصبَّب من جبينه ، فجاءت أمِّي بقارورة ، وجعلتتُسلِتُ فيها العرق ؛ فاستيقظ النبي عليه الصلاة والسلام وقال :
ما هذا الذي تصنعين يا أمّ سُليم ؟! .
قالت : هذا عرقُكَ أجمعه وأجعله في طِيبنا ، فيغدو أطيب الطّيب .
ومنشواهد حُبِّها لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه وهي كثيرة وفيرة ، أنَّابنها أنساً كانت له ذؤابة(ذؤابة: خصلة من الشعر في مقدّمة الرأس) تتمايلعلى جبينه ، فرغب إليها زوجها أن تقصُّها له بعد أن طالت فأبت ذلك لأنَّالنبي صلوات الله وسلامه عليه كان كلَّما أقبل عليه أنس مسح رأسه بيدهومسَّ ذُؤابته المُدلاة على جبينه .
ولم تقتصر خصائل أمّ سُليم على أنّها كانت مؤمنة راسخة الإيمان ، عاقلة وافرة العقل ، زوجاً وأمَّاً من الطّراز الأوَّل ...
وإنّما كانت فوق ذلك كلِّه مجاهدةً في سبيل الله .
فلكم ملأت رئتيها من غبار المعارك العبق بطيوب الجنَّة !! .
وخضَّبت أناملها من جراح المجاهدين ، وهي تمسحها بيديها وتُحكم عليها الضّماد .
ولكم سكبت الماء في حلوق العطاش وهم يجودون بنفوسهم في سبيل الله ...
وحملت لهم الزّاد ... وأصلحت السّهام .
لقدشهدت ((أُحداً)) هي وزوجها أبو طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ودأبت هي وعائشة رضوان الله عليهما على نقل قِرَبِ الماء على ظهريهماوإفراغها في أفواه القوم .
كما شهدت ((حُنيناً)) أيضاً ، وقد اتخذت لنفسها يومذاك خِنجراً وتمنطقت به ، فلمَّا رآه زوجها أبو طلحة قال :
يا رسول الله ، هذه أمّ سُليم معها خِنجر .
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم :
ما هذا يا أمّ سُليم ؟! .
قالت : خِنجر اتخذته حتّى إذا دنا منّي أحد من المشركين بَقَرتُ به بطنه ...
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك سروراً بما قالت .
وبعد ...
أفتظُنُّ أنَّ على ظهر الأرض امرأة أسعد سعادة وأزهى خاتمة من أمّ سُليم بعد أن قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( دخلتُ الجنَّة فسَمِعتُ فيها خشفَةً (خشفة: حركة مشي) ...
فقلت : من هذا ؟! .
قالوا : الغُميصاء بنت مِلحان أمُّ أنس بن مالكٍ )) .


المصدر
كتاب صور من حياة الصحابيّات
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله