منتدى جلاكسو
القسم العام => المنتدى العام => الموضوع حرر بواسطة: essmat في 10/07/2009 » 01:58:am
-
أَبُو الدَّردَاءِ
عُوَيْمِرُ بنُ مَالِكٍ الخَزْرَجِيُّ
*****
((كان أبو الدّرداء يدفع عنه الدُّنيا بِالرَّاحتين والصَّدرِ)) .......(عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ)
...........
نَهضعويمر بن مالك الخزرجيّ المُكنَّى بأبي الدّرداء من نومه مُبكِّراً ، ومضىإلى صنمِهِ الذي نصبه في أشرف مكان في بيته ، فحيَّاه ودَهَنهُ بأنفسِ ماحواه متجرُهُ من الطِّيب ، ثمَّ ألقى عليه ثوباً جديداً من فاخِر الحرير ،أهداه إليه بالأمس أحد التُّجّار القادمين عليه من ((اليَمن)) .
ولمَّا ارتفعت الشمس غادر أبو الدّرداء منزِله متوجّهاً إلى مَتجرِهِ .
فإذاشوارع ((يثرِب)) وطرقاتُها تضيق بأتباع محمد ، وهم عائدون من ((بدر)) ،وأمامهم أفواج الأسرى من قريش ، فأعرض عنهم ؛ لكنَّه ما لبِثَ أن أقبل علىفتى منهم ينتمي إلى الخزرج وسأله عن عبد الله بن رواحة ، فقال له الفتىالخزرجيّ :
لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء وعاد سالِماً غانِماً ، وطمأَنَهُ عليه .
ولميستغرب الفتى سؤال أبي الدّرداء عن عبد الله بن رواحة ؛ لِما كان يعلمالناس جميعاً من أواصر الأخوَّة التي كانت تربط بينهما ؛ ذلك أنَّ أباالدّرداء وعبد الله بن رواحة كانا مُتآخيين في الجاهليَّة ، فلمّا جاءالإسلام اعتنقه ابن رواحة ، وأعرض عنه أبو الدّرداء .
لكِنَّذلك لم يقطع ما بين الرّجُلين من وثيق الأواصر ؛ إذ ظلَّ عبد الله بنرواحة يتعهَّد أبا الدّرداء بالزّيارة ، ويدعوه إلى الإسلام ، ويُرغِّبهفيه ، ويأسف على كل يوم يمضي مِن عمره وهو مُشرك .
وَصلَأبو الدّرداء إلى متجره ، وتربَّع على كُرسيه العالي ، وجعل يبيع ويشتري ،ويأمر غِلمانه وينهاهم ... وهو لا يعلم شيئاً ممّا يجري في منزله ...
ففي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبي الدّرداء وقد عزم على أمر ...
فلمّا بلغ البيت رأى بابه مفتوحاً وأبصر أمّ الدّرداء في باحتِهِ ، فقال :
السلام عليك يا أَمَة الله .
فقالت : وعليك السلام يا أخا أبي الدّرداء .
فقال : أين أبو الدّرداء ؟ .
فقالت : ذهب إلى متجره ، ولا يلبثُ أن يعود .
فقال : أتأذنينَ ؟ .
فقالت : على الرّحب والسّعة ، وأفسحت له الطّريق ، ومضت إلى حُجرتها ، وانشغلت عنه بإصلاح شأن بيتها ورعاية أطفالِها .
دخلعبد الله بن رواحة إلى الحُجرة التي وضع فيها أبو الدّرداء صنمَه ، وأخرجقدُّوماً أحضرهُ معه ، ومال على الصَّنم وجعل يُقطِّعه به وهو يقول :
ألا كُلُّ ما يُدعى مع الله باطِل ... ألا كُلُّ ما يُدعى مع الله باطِل ...
فلمَّا فرغ من تقطيعه غادر البيت .
دخلتأمُّ الدّرداء إلى الحُجرة التي فيها الصَّنم ، فصُعِقت حين رأته قد غداقِطعاً ... ووجدت أشلاءه مُبعثرة على الأرض ... وجعلت تلطِمُ خدّيها وهيتقول :
أهلكتَنِي يا ابن رواحة ... أهلكتَنِي يا ابن رواحة ...
لميمض غير قليل حتّى عاد أبو الدّرداء إلى منزله ؛ فرأى امرأته جالِسةً عِندباب الحُجرة التي فيها الصَّنم وهي تبكي وتنشِجُ ، وعلامات الخوف منهبادِيةٌ على وجهِها ، فقال : ما شأنُكِ ؟ ... فقالت :
أخوك عبد الله بن رواحة جاءنا في غيبتِكَ ، وصنَع بصنَمِكَ ما ترى .
فنظرإلى الصَّنم فوجده حُطاماً ، فاستشاط غضباً ، وهمَّ أن يثأر له ، لكنَّهما لبِث قليلاً حتّى هدأت ثائرته ، وسكتَ عنه غضبَهُ ؛ ففكَّر فيما حدث ،ثمَّ قال :
لو كان في هذا الصَّنم خير لدفع الأذى عن نفسه .
ثُمَّانطلق من توِّه إلى عبد الله بن رواحة ، ومضيا معاً إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم ، وأعلن دُخوله في دين الله ، فكان آخر أهل حيِّه إسلاماً .
آمن أبو الدّرداء ـ مُنذُ اللّحظة الأولى ـ بالله ورسوله إيمان خالَطَ كُلَّ ذرَّة في كيانِه .
وندِمندماً كبيراً على ما فاته من خير ، وأدرك إدراكاً عميقاً ما سبقه إليهأصحابه من فِقه لِدين الله ، وحِفظ لِكتاب الله ، وعِبادة وتقوىادَّخروهما لأنفسهم عِند الله .
فعزم على أن يستدرك ما فاته بالجهد الجاهد ، وأن يواصل تعب الليل بتعب النّهار حتّى يَلحق بِالرَّكب ويتقدَّم عليه .
فانصرفإلى العبادة انصراف المنقطع عن الدّنيا ؛ المنصرف إلى الله ، وأقبل علىالعلم إقبال الظمآن ، وأكبَّ على كتاب الله يحفظ كلماته ، ويتعمَّق فهمآياته .
ولمّا رأى التّجارة تُنغِّص عليه لذَّة العِبادة ، وتُفوِّت عليه مجالس العلم ؛ تركها غير متردّد ولا آسِفٍ .
وقد سأله في ذلك سائل فأجاب :
لقدكُنت تاجراً قبل عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا أسلمت أردتأن أجمع بين التّجارة والعبادة فلم يستقم لي ما أردت ، فتركت التّجارةوأقبلت على العبادة ... والذي نفس أبي الدّرداء بيده ، ما أُحبُّ أن يكونليَ اليوم حانوت على باب المسجد فلا تفوتني صلاة مع الجماعة ، ثمَّ أبيعوأشتري فأربح كُلَّ يوم ثلاثمائة دينار . ثمَّ نظرَ إلى سائله وقال :
إنِّي لا أقول : إنَّ الله عزَّ وجلّ حرَّمَ البيع ... ولكنِّي أحبُّ أن أكون من الذين لا تُلهيهم تِجارة ولا بيع عن ذِكر الله .
لميترك أبو الدّرداء التّجارة فحسب وإنّما ترك الدّنيا ، وأعرض عن زينتهاوزُخرُفها ، واكتفى منها بِلُقمة خشنة تُقيم صُلبه ، وثوبٍ صفيق يستر جسده.
فقدنزلَ بهِ جماعة في ليلة شديدة البرد ، فأرسل إليهم طعاماً ساخِناً ، ولميبعث إليهم باللُّحُفِ ، فلمّا همُّوا بالنّوم جعلوا يتشاورون في أمراللُّحف ، فقال واحد منهم : أنا أذهب إليه وأُكلِّمَهُ ... فقال له آخر :دعهُ ، فأبى ، ومضى حتّى وقف على باب حُجرته فرآه قد اضطجع ، وامرأتهجالسة قريباً منه ليس عليها وعليه إلا ثوب خفيف لا يقي من حرٍّ ولا يصونمن برد ، فقال الرّجل لأبي الدّرداء :
ما أراك بتَّ إلا كما نبِيتُ نحنُ !! ... أين متاعُكم ؟! .
فقال: لنا دار هناك نُرسل إليها تِباعاً كل ما نحصل عليه من متاع ، ولو كُنَّااستبقينا في هذه الدَّار شيئاً منه لَبَعَثْنَا بِهِ إليكم ...
ثمَّإنَّ في طريقنا الذي سنسلكه إلى تلك الدّار عقبةً صعبة المُرتقى ؛المُخِفُّ فيها خيرٌ من المُثقَلِ ، فأردنا أن نتخفَّف من أثقالنا علَّنانجتاز .
ثمَّ قال للرجل : أَفَهِمتَ ؟ .
فقال : نعم فهِمتُ ، وجُزِيتَ خيراً .
وفي خلافة الفاروق رضوان الله عليه أراد من أبي الدّرداء أن يتولّى له عملاً في الشّام فأبى ، فأصرَّ عليه فقال أبو الدّرداء :
إذارضيت منِّي أن أذهب إليهم لأععلِّمهم كتاب ربِّهم ، وسنَّة نبيّهم وأصلِّيبهم ذهبتُ ، فرضي منه عمر بذلك ، ومضى هو إلى ((دِمشق)) ، فلمَّا بلغهاوجد النّاس قد أولِعوا بالتَّرف ، وانغمسوا في النَّعيم ، فهاله ذلك ،ودعا النّاس إلى المسجد ؛ فاجتمعوا عليه فوقف فيهم وقال :
يا أهل ((دمشق)) أنتم الإخوانُ في الدِّين ، والجِيرانُ في الدَّار ، والأنصار على الأعداء ...
ياأهل ((دمشق)) ؛ ما الذي يمنعُكم من مودَّتي والاستجابة لِنصيحتي وأنا لاأبتغي مِنكم شيئاً ؛ فنصيحتي لكم ، ومؤنتي (مؤنتي:نفقتي) على غيركم .
ما لِي أرى عُلماءَكم يذهبون (أي: يأخذهم الموت) ، وجُهَّالكم لا يتعلَّمون ؟! ...
وأراكم قد أقبلتم على ما تكفَّل لكم به الله عزَّ وجلّ ، وتركنم ما أُمِرتم به ؟! ...
ما لِي أراكم تجمعون ما لا تأكلون !! ...
وتبنون ما لا تسكنون !! ...
وتُؤَمِّلُون ما لا تَبْلُغون !! ...
لقدجمعت الأقوام التي قبلكم وأمَّلت ... فما هو إلا قليل حتّى أصبح جمعهمبُوراً (بوراً: هالِكاً خرباً) ... وأملهم غروراً ... وبيوتهم قبوراً ...
هذه ((عاد)) ـ يا أهل دمشق ـ قد ملأت الأرض مالاً وولداً ... فمن يشتري منِّي تَرِكة ((عادٍ)) اليوم بِدرهمين ؟ .
فجعل الناس يبكون حتّى سُمِعَ نشيجُهُم من خارج المسجد . (نشيجهم: صوت بكائهم)
ومنذذلك اليوم طفق أبو الدّرداء يؤمُّ مجالس الناس في دمشق ويطوف بأسواقهم ،فيجيب السّائل ، ويُعلِّم الجاهل ، ويُنبِّه الغافل ، مُغتنماً كل فرصةمُستفيداً من كل مناسبة .
فها هو ذا يمرُّ بجماعة قد تجمهروا على رجل وجعلوا يضربونه ويشتمونه ، فأقبل عليهم وقال : مَا الخَبر ؟! .
قالوا : رجل وقع في ذنب كبير .
قال : أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه ؟ .
قالوا : بلى .
قال : لا تسُبُّوه ولا تضربوه وإنَّما عِظوه وبصِّروه ، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في ذنبه .
قالوا : أفلا تُبغِضه ؟! .
قال : إنَّما أبغض فعله ؛ فإذا تركه فهو أخي .
فأخذ الرّجل ينتحب ويُعلِن توبته .
وهذا شاب يُقبل على أبي الدّرداء ويقول : أوصِني يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول له :
يا بني ، اذكر الله في السّرّاء يذكُرك في الضّرّاء ...
يا بني ، كُن عالِماً أو مُتعلّماً أو مُستمعاً ولا تكن الرّابع فتهْلكَ (أراد بالرابع: الجاهل) .
يا بني ، ليكن المسجد بيتك ، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(المساجدبيت كل تقي) ، وقد ضمِن الله عزّ وجلّ لِمن كانت المساجد بيوتهم الرّوح(الرّوح: الرّاحة والسّعة) ، والرّحمة ، والجواز على الصِّراط إلى رضوانالله عزَّ وجلّ .
وهؤلاء جماعة من الشُّبّان جلسوا على الطّريق يتحدَّثون وينظرون إلى المارِّين ، فيُقبِل عليهم ويقول :
يا بَنِيَّ ، صَومعةُ الرجل المُسلم بيتُه ، يَكُفُّ فيه نفسه وبصره ، وإيَّاكم والجّلوس في الأسواق فإنّه يُلهي ويُلغِي .
وفيأثناء إقامة أبي الدّرداء ((بدمشق)) بعث إليه والِيها معاوية بن أبي سفيانيخطُب ابنته ((الدّرداء)) لابنه يزيد ، فأبى أن يُزوّجها له ، وأعطاهالشاب من عامّة المسلمين رضِيَ دينه وخُلُقه .
فسار ذلك في الناس ، وجعلوا يقولون :
خطب يزيد بن معاوية بنت أبي الدّرداء فردَّه أبوها ، وزوَّجها لرجل من عامة المسلمين .
فسأله سائل عن سبب ذلك ؟! .
فقال : إنّما تَحَرّيتُ فيما صنعته صلاح أمر الدّرداء .
فقال : وَكَيفَ ؟ .
فقال : ما ظنُّكم بالدّرداء إذا قام بين يديها العبيد يخدِمونها ، ووجدت نفسها في قُصور يخطِف لألاؤها البَصر ...
أين يصبح دينُها يومئذٍ ؟! .
وفيخلال وجود أبي الدّرداء في بلاد الشام قدِم عليهم أمير المؤمنين عمر بنالخطّاب مُتفقِّداً أحوالها ، فزار صاحبه أبا الدّرداء في منزله ليلاً ،فدفع الباب ، فإذا هو بغير غَلَقٍ ، فدخل في بيت مُظلم لا ضوء فيه ، فلمّاسمِع أبو الدّرداء حِسَّه قام إليه ، ورحَّب به وأجلسه .
وأخذ الرجلان يتبادلان الأحاديث ، والظّلام يحجب كلاً منهما عن عيني صاحِبه .
فجسَّعمر وِساد أبي الدّرداء فإذا هو برذَعة(برذعة: كساء يُلقى على ظهرالدّابّة) ... وجسَّ فراشه فإذا هو حصى ... وجسَّ دِثاره فإذا هو كساءرقيق لا يفعل شيئاً في برد ((دمشق)) .
فقال له : رَحِمكَ الله ألم أوسِّع عليك ؟! ألم أبعث إليك ؟! .
فقال له أبو الدّرداء : أَتَذْكُر ـ يا عمر ـ حديثاً حدَّثناهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .
قال : وما هو ؟ .
قال : ألم يقُل : ((لِيكن بلاغُ أحدِكم من الدّنيا كَزادِ راكبٍ)) ؟ ـ (بلاغ أحدكم: كِفاية أحدكم وماله) ـ .
قال : بلى .
قال : فماذا فعلنا بعده يا عمر ؟!! ...
فبكى عمر وبكى أبو الدّرداء ... وما زالا يتجاوبان بالبكاء حتّى طلع عليهما الصُّبح .
ظلَّأبو الدّرداء في دمشق يعظ أهلها ويُذكّرهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة حتّىأتاه اليقين (أي: حتى أتاه الموت) ... فلمّا مَرِضَ مَرَضَ الموت ، دخلعليه أصحابه ، فقالوا : ما تشتكي ؟ .
قال : ذُنوبي .
قاوا : وما تشتهي ؟ .
قال : عَفْوَ ربِّي .
ثمَّ قال لمن حوله : لقِّنوني : لا إِلَهَ إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ
.
فما زال يُردِّدها حتّى فارق الحياة .
ولمّالحِق أبو الدّرداء بجوار ربِّه رأى عوف بن مالك الأشجعيّ فيما يراهُالنّائم ؛ مَرجاً أخضرَ فسيح الأرجاء وارِف الأفياء فيه قُبَّة عظيمة منأَدَمٍ (من أدَمٍ: أي من جلد) ، حولها غنمٌ رابضة لم ترَ العينُ مِثلهاقطُّ ، فقال :
لِمن هذا ؟! .
فقيل له : لِعبد الرحمن بن عوف .
فطَلَعَعليه عبد الرحمن من القُبَّة ، وقال له : يا بن مالِكٍ ، هذا ما أعطاناالله عزَّ وجلّ بالقرآن . ولو أَشرَفتَ على هذه الثَنيَّة (الثنيّة: أيالطريق) لرأيت ما لم ترَ عينُكَ ، وسَمِعتَ ما لم تسمع أذُنُكَ ، ووجدت مالم يخطر على قلبِكَ .
فقال ابن مالك : ولِمَن ذلك كلُّهُ يا أبا محمد ؟! .
فقال : أعدَّه الله عزَّ وجلّ لأبي الدّرداء لأنّه كان يدفعُ عنهُ الدُّنيا بِالرَّاحتين وَالصَّدرِ .
المصدر
كتاب صور من حياة الصحابة
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله