" عكرمة بن أبي جهل "
" الراكب المهاجر "
[*]كانعكرمة بن أبي جهل يقترب من أواخر العقد الثالث من عمره و النبي صلي اللهعليه وسلم يجهر بدعوة الحق و الهدى .. ألا وهى رسالة السماء التى تهدىالناس إلى الحق و النور بعد طول سفور .. إنها " القرآن الكريم " .
[*]وعكرمةرضى الله عنه ابن أحد زعماء قريش الذين ذاع صيتهم فبلغ كل النواحى أوبالأحرى ابن جبار مكة الأكبر " أبو جهل " و كفى أن تعرف من اسمه أنه زعيمالشرك الأول الذى امتحن الله ببطشه و عذابه الشديدين إيمان المؤمنينفثبتوا وولوا ظهورهم من هذا العذاب الواقع عليهم من صاحب النكال الأكبرزعيم قريش الجبار وكأنهم يتمنون أن يزيد من العذاب فيصبروا لينعموا فىالغد بالجنة التى وعدهم بها الله سبحانه و تعالى .
[*]هذا أبوه أما هو فعكرمة بن أبي جهل المخزومى أحد صناديد قريش المعدودين و أبرز فرسانها المرموقين .
[*]ولامراء أن هناك آباء - ولكنهم قلة و الحمد لله - يدفعون بأبنائهم دفعا نحوالأهوال و يزجون بهم زجا إلى الخطر و هم لا يدركون أن الأبناء لا يرغبونالسير فى هذا السبيل الشائك ولكنهم يفعلون هذا عن طيب خاطر كرامة لآبائهم .
[*]وهذا ما حدث بالفعل عندما وجد عكرمة بن أبي جهل نفسه مدفوعا بحكم زعامةأبيه إلى معاداة النبي صلي الله عليه وسلم فما كان من عكرمة إلا أن يطيعأباه و يعادى الرسول الكريم أشد العداء و يؤذى أصحابه أكبر و أفدح إيذاءحتى رآه أبوه على هذا الحال فربت على كتفيه و انفجرت أساريره من أفعالابنه الشنعاء .
[*]ولعل خير دليل على ما تقدم أن زعيم الشرك أبا جهل أقسم " باللات و العزى "قبل غزوة بدر على ألا يعود إلى مكة إلا إذا هزم محمدا صلوات ربي و سلامهعليه ... و ليس هذا فحسب بل ينزل ببدر ثلاثة ليال ينحر فيها الذبائح ويشرب الخمور و يضرب الدفوف ابتهاجا بالنصر على محمد صلى الله عليه وسلمهكذا زعم أبو جهل .
[*]وخرج زعيم الشرك أبو جهل يرافقه عكرمة عضده الذى يعتمد عليه و يده التىيبطش بها صوب بدر ... و بعد قليل دارت رحى المعركة فإذا باللات و العزىاللذين لا يسمعان ولا ينفعان ولا يضران لا يلبيان له مأربه الذى يبتغيه ..فها هو جبار مكة يخر صريعا مدرجا فى دمائه و رماح المسلمين تشرب من دمه... و يراه ابنه عكرمة على هذا الحال و يسمعه بأذنيه و هو يطلق آخر صيحةمن صيحات الشرك على أرض بدر .
[*]وانتهتالمعركة و انتصر المسلمون و عاد عكرمة بن أبي جهل أدراجه إلى مكة بعدماأرغمه الفرار على ترك جثة أبيه دون أن يظفر بها لتلقى فى القليب هذا البئرالعميق ثم تتوارى بالتراب مع العشرات من جثث المشركين من قتلى بدر .
[*]ومنذ ذلك اليوم و الأمور اختلفت فى عقل و عين عكرمة .. فهو فى بادئ الأمركان يعادى الإسلام حمية لأبيه أما اليوم فهو يعاديه ثأرا له ...
ترى ماذا يفعل عكرمة بعد قتل المسلمين لأبيه ؟؟؟؟
ترى ماذا يفعل عكرمة بعد قتل المسلمين لأبيه ؟؟؟؟
[*]خرجعكرمة مع نفر ممن قتل آباؤهم فى بدر يشعلون نار العداوة و يلهبون صدورالمشركين للنكال بمحمد و أصحابه و ظل عكرمة و من معه على هذا الحال إلى أنكانت غزوة أحد
[*]طفقعكرمة بن أبي جهل إلى أحد و هو متأهب للقتال و خرجت معه زوجته " أم حكيم "بغرض الوقوف مع النسوة اللائى قتل لهن قتيل يوم بدر و لم يأخذن بثأره حتىالآن على أن تضرب معهن على الدفوف تحريضا لرجال قريش على القتال و حثهمعلى عدم الفرار ... على أن يكون مكانهن وراء الصفوف .
[*]وقبل بدء المعركة وزعت قريش الألوية فجعلت خالد بن الوليد قائد الميمنة وعكرمة قائد الميسرة و لما بدأت المعركة أبلى الفارسان المشركان خالد وعكرمة بلاء رجح كفة قريش على محمد و أصحابه فتحقق النصر الكبير للمشركين.. عندئذ وقف أبو سفيان بن حرب و هو منفرج السريرة يقول : " هذا بيوم بدر" و لعله يقصد أنهم أخذوا بثأر قتلى بدر .
[*]وتمر الأيام و تأتى " غزوة الخندق " و يحاصر المشركون المدينة أياما طويلة.. حتى نفذ صبر عكرمة بن أبي جهل الذى أخذ ينظر ذات اليمين و ذات الشمالحتى وقع بصره على مكان ضيق من الخندق فحث جواده على اجتيازه و بالفعلاجتازه الجواد فلما رآه بعض أصحابه يفعل ذلك فروا من ورائه فى أجرأ مغامرةراح ضحيتها " عمرو بن عبد ود العامرى " .
[*]وينيخ الليل و يسدل أستاره ثم ينبلج نور الصبح على يوم الفتح لتقرر قريشأنها لا طاقة لها بمحمد و أصحابه وعليها آنئذ أن تخلى له السبيل إلى مكة ولم يأت هذا من فراغ و إنما أتى بعدما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم قوادهألا من قاتلهم من أهل مكة .
[*]ولكن عكرمة بن أبى جهل لم ينشرح صدره للإسلام بعد ، و عيناه لا ترى الحقولكنها مازالت ترى أباه جبار قريش مدرجا فى دمائه على أرض بدر فها هو يخرجمع نفر من أصحابه للتصدى للجيش الكبير بقيادة خالد بن الوليد الذى دخلالإسلام فهزمهم خالد و قتل فى المعركة من قتل ولاذ بالفرار من لاذ و كانمن جملة الفارين عكرمة بن أبي جهل .
[*]عندذلك تحير عكرمة و شعر بالندم يسرى بداخله و خاصة عندما نظر من حوله فوجدأن قريشا قد خضعت للمسلمين و أنه أصبح ليس له مكان فيها وزاد شعوره بالأسفو الندم فى آن واحد عندما على أن الرسول صلوات ربي و سلامه عليه قد عفاعما سلف من قريش تجاهه اللهم إلا نفر قليل ممن استثناهم الرسول الكريم بلسماهم و أمر بقتلهم حتى و إن وجدوا تحت أستار الكعبة الشريفة .
[*]لمير عكرمة بدا إلا أن يتسلل متخفيا من مكة إلى أرض الله الواسعة ففكر طويلاثم هداه تفكيره إلى الفرار إلى اليمن إذ لم يكن له ملجأ إلا هناك .
[*]وتوالت الأيام على رحيل عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن .. و ذات يوم ذهبت أمحكيم زوجة عكرمة و معها هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان و أم معاوية رضى اللهعنه إلى منزل الرسول صلي الله عليه وسلم و هى منقبة و معها عشر نسوةليبايعن الرسول الكريم و ما هى إلا دقائق قد مرت و تحدثت هند و هى تشعربالخجل من رسول الله لما اقترفته يداها يوم أحد لتمثيلها بحمزة عم الرسولفى هذا اليوم .. و لكنها شحذت قواها و قالت :" يا رسول الله الحمد للهالذى أظهر الدين الذى اختاره لنفسه و إنى لأسألك أن تحسن معاملتى لما بينىو بينك من قرابة فإنى امرأة مؤمنة مصدقة " لما فرغت هند من كلماتها كشفتعن وجهها و قالت : " إننى هند بنت عتبة يا رسول الله " .
[*]عندئذ قال الرسول صلوات ربي و سلامه عليه : " مرحبا بك " .
[*]فقالتهند : " والله يا رسول الله ما كان على وجه الأرض بيت أحب إلي أن يذل أكثرمن بيتك ... و لقد أصبحت الآن لا أرى بيتا على وجه الأرض أحب إلي أن يعزمن بيتك " .
[*]ولما جلست هند بنت عتبة قامت أم حكيم زوجة عكرمة بن أبي جهل فأسلمت و قالت: " يا رسول الله : لقد هرب منك عكرمة إلى اليمن خوفا من أن تقتله فأمنهأمنك الله " .
[*]فقال الرسول الكريم : " هو آمن " .
[*]طربتأم حكيم فور سماعها النبي يؤمن عكرمة فخرجت من توها تطلبه و معها غلام لهارومى فلما حاول الغلام أن يراودها عن نفسها أبت السيدة الفاضلة و أخذتتمنيه و تماطله حتى أدركت حيا من أحياء العرب فاستعانتهم عليه فتركوهعندهم بعد ما شدوا عليه وثاقه و أخذت أم حكيم تمخر عباب الصحراء براحلتهاكما تمخر السفينة عباب البحر حتى لحقت بعكرمة عند ساحل البحر و هو يفاوضبحارا مسلما على نقله من مكان لآخر و البحار ينظر إلى عكرمة و يقول : " لنأنقلك قبل أن تخلص " .
[*]تعلو الدهشة وجه عكرمة و يقول و هو ينظر إلى البحار : " وكيف أخلص " ؟
[*]قال البحار : " تقول : " أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله " .
[*]قال عكرمة للبحار بعدما عاودته الدهشة مرة أخرى : " كيف و أنا لم أهرب إلا منها ؟ " .
[*]وبينما هما على هذا التفاوض أقبلت أم حكيم على زوجها عكرمة و قالت :" جئتكالآن يا ابن العم من عند أفضل الناس و أبر الناس و خير الناس ...ثماستكملت الحديث فقالت : " جئتك من عند محمد صلي الله عليه وسلم و لقد استأمنت لك منه فأمنك فلا تهلك نفسك " .
[*]قال عكرمة لزوجته أم حكيم : " أأنت كلمته ؟ .."
[*]قالت: " نعم كلمته ...و مازالت الزوجة الوفية تكلمه حتى انشرح صدره و عاد معها.. و عندما اقترب عكرمة بن أبي جهل من مكة نظر الرسول صلوات ربي و سلامهعليه إلى أصحابه و قال : " سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلاتسبوا أباه فإن سب الميت يؤذى الحى و لا يبلغ الميت " .
[*]فلمابلغ عكرمة و زوجته أم حكيم إلى حيث يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلمشاهده الرسول فهش و بش لرؤياه ثم هب ووثب عليه فى فرحة حتى أنه عليهالسلام طرح العباءة أرضا
[*]و لما جلس الرسولالكريم قال له عكرمة : " إن أم حكيم أخبرتنى أنك أمنتنى .. فقال الرسولصلى الله عليه وسلم : " صدقت فأنت آمن يا عكرمة "
[*]قال عكرمة : " إلى أى شئ تدعو يا رسول الله ؟ " .
[*]قالالرسول الكريم : " أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله و أنى عبد الله ورسوله و أن تقيم الصلاة و تؤتى الزكاة و تصوم رمضان و تحج البيت " .
[*]عندئذقال عكرمة : " والله ما دعوت إلا إلى الحق و ما أمرت إلا بخير ثم أخذ يقول: " لقد كنت فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه و أنت أصدقنا حديثا وأبرنا برا "
[*]و بعد أن بسط عكرمة يده لرسول الله صلى الله عليه وسلم و نطق بالشهادة قال : " علمنى يا رسول الله خير شئ أقوله "
[*]قال الرسول الكريم : " تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده ورسوله ثم تقول : " أشهد الله و أشهد من حضر أنى مسلم مجاهد مهاجر "
[*]فقال عكرمة ما أمره به الرسول الكريم .
[*]نظرالرسول صلى الله عليه وسلم إلى عكرمة و قال : اليوم لا تسألنى شيئا أعطيهأحدا إلا أعطيتك إياه فقال عكرمة و علامات السرور تعلو وجهه : " إنى أسألكأن تستغفر لى عداوة عاديتها لك أو مقاما لقيتك فيه أو كلاما قلته فى وجهكأو غيبتك " .
[*]قالالرسول صلوات ربي و سلامه عليه : " اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها و كلمسير سار فيه إلى موضع يريد به إطفاء نورك و اغفر له ما نال من عرضى فىوجهى أو و أنا غائب عنه " .
[*]تهللوجه عكرمة من شدة الفرحة و أخذ يقول : " والله يا رسول الله لا أدع نفقةكنت أنفقتها فى صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها فى سبيل الله ولا قتالاقاتلته صدا عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه فى سبيل الله "
[*]وانضم الصحابي الجليل و الفارس المغوار إلى موكب الدعوة فأضحى الفارسالباسل الذى تشهد ساحات القتال ببسالته .. و ليس هذا فسحب بل أصبح عكرمةعبادا قواما قارئا لكتاب الله فى المساجد فهو الرجل الذى كان يضع المصحفعلى وجهه و هو يبكي خشية من الله و يقول : " كتاب ربي .. كلام ربي " ترىهل بر عكرمة بعهده مع الرسول الكريم ؟ نعم بر عكرمة بعهده فما خاضالمسلمون معركة بعد إسلامه إلا وخاضها معهم ولا خرجوا فى بعث إلا كان فىمقدمتهم .
[*]وتمر الأيام و عكرمة مازال يبكي من خشية الله لم تفتر له عزيمة و لم يضعفله إيمان إلى أن جاءت موقعة اليرموك و اشتد الكرب على المسلمين فى أحدالمواقف .. فما كان من عكرمة إلا أن نزل عن فرسه و كسر غمد سيفه و دخلبعيدا فى صفوف الروم غير عابئ بالخطر الذى يحيط به شاهد خالد بن الوليدعكرمة على هذا الحال فقال له : " لا تفعل يا عكرمة أى لا تتوغل فى صفوفالروم فإن قتلك سيكون شديدا على المسلمين " .
[*]فقالعكرمة : " و هو ينظر إلى خالد : " دعنى يا خالد لقد كان ذلك مع رسول اللهسابقة .. أما انا و أبي ( أبو جهل ) فقد كنا من أشد الناس على رسول اللهصلي الله عليه وسلم ثم قال مرة أخرى : " دعنى يا خالد أكفر عما بدر منى فىالماضى لقد قاتلت رسول الله فى مواطن كثيرة و أفر اليوم من الروم ؟ إن هذالن يكون أبدا "
[*]ولما أشتدت رحى المعركة نادى عكرمة فى المسلمين فقال : " من يبايع علىالموت ؟ فبايعه وقتئذ عمه الحارث ابن هشام و ضرار بن الأزوار و أربعمائةمن المسلمين فقاتلوا البواسل بعيدا عن قيادة خالد بن الوليد أشد و أعنفقتال .
[*]و لماانجلت معركة اليرموك عن نصر الله المبين للمسلمين .. نظر المسلمين على أرضالمعركة فشاهدوا المجاهدين الثلاثة : الحارث بن هشام و عياش بن أبي ربيعةو عكرمة بن أبي جهل مازالوا احياء و لكن أصابهم الضعف من شدة الجراح التىنزلت بأجسادهم الطاهرة ... و ياله من حدث شهدته أرض اليرموك كما شاهدهالمسلمون كلهم و هو : " طلب الحارث بن هشام من أصحابه ماء ليشربه فلمااقتربوا منه بالماء نظر إليه عكرمة و قال : ادفعوه إليه ".
[*]فلما قربوه منه نظر إليه عياش بن أبي ربيعة و قال : " ادفعوه إليه .. فلما اقتربوا من عياش وجدوه قد فارق الحياة شهيدا " .
[*]فعادوابالماء إلى صاحبيه الحارث و عكرمة فوجدوهما قد لحقا بصاحبيهما عياش ... وكأن المجاهدين الثلاثة أبوا أن يشربوا من ماء الدنيا و فضلوا أن يشربوا منحوض الكوثر شربة لا يظمأون بعدها أبدا .
[*]رحمالله عكرمة و من معه و غفر الله لهم ما تقدم و ما تأخر من زنبهم .. وهنيئأ لهم الجنة التى وعدهم الله بها جلت قدرته و علت كلمته .