منتدى جلاكسو

NoAvatar

غير متصل essmat

  • عضو
  • *
  • المشاركات :82
  • عضويه: 22200
  • تاريخ التسجيل : 05/07/2009 » 04:30:pm
الإمام الغزالي*حجّة الإسلام*
 (شوهد 917 مرات)
« : 10/07/2009 » 01:49:am »
*** حُجَّةُ الإِسلام ***
الإمَام الغَزَالِيّ
.........

نحناليوم في نيسابور ، في معسكر الوزير العظيم ، نظام الملك ، الذي كان يديرمن هذا المعسكر في ضاحية نيسابور ، أكثر من نصف بلاد الإسلام ، وكان قصرهحافلاً أبداً بالعلماء ، ولكنه اليوم أحفل منه كل يوم ، لأنه يوم المباراةالعامة ، وأنتم تعرفون المباريات الرياضيّة ، وتحتشدون لها ، ولكنكم لاتعرفون المباريات العلميّة التي كانت تسمّى المناظرات ، ويجتمع لها الناس، ويشرف عليها الأمراء .
وقد يكون منها ما هو قاصر على فن من الفنون ، كالمناظرات النحويّة والكلاميّة والفقهيّة ، ومنها ما يشتمل على أكثر من فن واحد .
أمّا مباراة اليوم فعجيبة حقّاً ، لأنها مباراة في كل علم ، والمتبارون العلماء جميعاً ضدَّ رجل واحد ، يقدم المعسكر للمرّة الأولى .
شاب عمره ثلاث وثلاثون سنة ، ولكن اسمه كان قد ملأ الأسماع ، وتآليفه سارت كل مسير .
وكاناليوم الأول للمناظرة في فقه الشافعيّة ، أصوله وفروعه ، واجتمع كبارالفقهاء ، وازدحم الناس يستمعون ، وحضر نظام الملك ، فأوردوا على هذاالشاب غرائب المسائل ، فأجاب عنها كلّها بنظر دقيق ، واستخراج عجيب ،وأورد عليهم ما لم يستطيعوا له جواباً ، فأقرّوا له جميعاً بالإمامة فيالمذهب ، وبايعوه على رياسة الشافعيّة في تلك الديار .
ثمّكان اليوم الثاني ، فناظر المتكلّمين ، وأنتم تعلمون أنّ هاتيك الحقبةكانت العصر الذهبي للكلام ، وأنّ علم الكلام كان يومئذ خلاصة الفلسفةوالشريعة ، وكان المطلب الأعلى للعلماء ، وإن كان من الواجب عليّ أن أقررهنا أنّ أسلوب القرآن في تقرير مسائل التوحيد هو الأسلوب الكامل ، الذي لانحتاج معه إلى فلسفة ولا كلام .
وكانت مناظرة هائلة ، استمرت ساعات ، وانتهت بالإقرار له بإمامة المتكلّمين ، وبأنّه فذّ مفرد نسيج وحده ، لا مثيل له في الرّجال .
وكاناليوم الثالث موعد المناظرة في الفلسفة اليونانيّة ، وجاء الفلاسفة الذينقرؤوا كتب أفلاطون وأرسطو متعالين شامخين بأنوفهم ، كأنّهم يترفّعون عنمناظرة هذا الشيخ الفقيه ، الذي لم يقرأ - كما ظنّوا - كتب فلاسفة اليونان، ولا شروح فلاسفة الإسلام .
وكانتالمناظرة ، فما زالوا يتضاءلون ويصغرون ، حتى رأوا أنّ هذا الفقيه أعرفمنهم بمذاهب الفلسفة وأشدّ إدراكاً لها ، ولم يخرجوا حتّى أقرّوا لهبالتقدّم فيها .
واستمرتهذه المناظرة العامة أياماً ، قهر فيها هذا الشاب الخصوم ، وغلب المناظرين، وأعجب به نظام الملك ، الذي أسّس المدارس الجامعة في كثير من بلادالإسلام :
فيبلخ ونيسابور وهرات وأصبهان ومرو والبصرة والموصل ، ولم يفارق مجلسه حتّىكتب له مرسوم تعيينه أستاذاً في الجامعة النظاميّة الكبرى في بغداد .
ورحلإلى بغداد ، وبغداد حاضرة الأرض ودار الخلافة ، فناظر علماءها ، فكان لهالغلبة عليهم جميعاً ، وأقرّوا له جميعاً بالرياسة والتقدّم .
ثقوايا سادة أنّي لا أبالغ ولا أتخيّل ، وأنّه كان أكبر ممّا وصفت ، وأنّه أحدالعشرة الكبار جداً من رجال الفكر الإسلامي ، وأحد العشرة الكبار جداً منأرباب القلم ، وهو أقدر من لخّص الفلسفة اليونانيّة ، وأقدر من ردَّ عليها، أيّدها وقوّاها ، ثم ضربها ضربة لم تقم لها بعده قائمة أبداً . وماقرأها على أستاذ ولكن نظر في كتبها بنفسه ، لأنّه كان يرى من المهانةلنفسه وللفكر أن يردّ على مذهب أو رأي لم يفهمه .
فلمّافهمها ألّف كتابه ((مقاصد الفلاسفة)) فأقبل الفلاسفة أنفسهم عليه لأنهمرأوا فيه تلخيصاً وفهماً لم يروه في كتبهم ، ثمّ ألّف كتابه ((تهافتالفلاسفة)) فكانت كالضربة القاضية في الملاكمة ، لا يقوم بعدها الخصم .
وكانت له ميزة عجيبة هي القدرة على هضم كل فكرة ، وعرضها عرضاً واضحاً مفهوماً ، يجمع بين البيان والسهل ، والتسلسل المنطقي .
وقد انفرد بأمر لم يكن لسواه ، هو أنّ حياته قسمان :
قسمللعقل ، وقسم للقلب ... وكان إماماً في الحالين ، درَّس في الجامعةالنظاميّة في بغداد وألّف الكتب العجيبة ، التي كانت ولا تزال مطمح أنظارالمفكّرين والفقهاء ، ثمّ تجرّد للعبادة والتأمّل فألّف ((الإحياء)) الذيكان ولا يزال غاية ما يطلبه المتصوّفة وأرباب القلوب .
هل عرفتم الآن من هو ؟
هو حجّة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي .
أمّاقصة تحصيله ودراسته ، فقصة عجب اسمعوا طرفاً منها لتدركوا كيف تكوّن الرجلالعظيم عوامل ترونها ضعيفة ، ولتعلموا أنّه ربّما كان في أولاد العوام ،وفي أبناء الفقراء ، من لو كتب له التّعلّم والدّرس لكان منه عالمكالغزالي ، أو شاعر كالمتنبّي ، أو وزير كنظام الملك ، أو ملك كالملكالظاهر .
أعودبكم إلى نيسابور ، لأقف بكم على دكّان صغير ، لرجل عامي صالح يشتغل بالغزل. رجل لم يُكتب له أن يتعلم القراءة ، ولم يكن من العلماء ولكنه أهدى إلىالأمة الإسلامية هذا العالم الفذّ ، ولولاه لم يكن قطّ عالماً .
هذا هو محمد بن محمد والد الغزالي .
كانينتهي من عمله فيدخل المسجد ، فيقف على حلقات الفقهاء مستمعاً . فيأسى علىحاله ويبكي على جهله ، ويتمنّى لو أنّ الله جعله فقيهاً ، ولكن ولّىالشباب ومضى العمر ، ولم يبق له في نفسه أمل فهو يأمل بولده ، فيسأل اللهمن قلب مخلص ، أن يرزقه ولداً فقيهاً ، ثم يقعد في مجالس الوعظ ، فيسألالله أن يرزقه ولداً واعظاً .
واستجابالله دعاءه فرزقه ولداً صار من أعظم الفقهاء ؛ هو أبو حامد الذي أحدّثكمعنه ، وولداً آخر كان من أعظم الوعّاظ ، ولولا أن غطّت عليه شهرة أخيه هذا؛ لملأ اسمه صحف التاريخ .
وأدركالوالد الموت والولدان صغيران ، فتقطّع قلبه حسرة على ألا يكون قد علّمهماما فاته من العلم ، وكان له صديق صوفي ، فعهد بهما إليه ، وأوصاه أن ينفقعلى تعليمهما ، ولو أتى ذلك على كل ما خلَّفه لهما من مال .
فكان هذا الوالد أوّل عامل في تكوين الغزالي العظيم .
والعامل الثاني هو هذا الصوفي ، لقد كان يسعه وقد علّمهما كل ما عنده ، وأنفق عليهما كل ما عندهما ، أن يقول لهما :
اكتفيابما حصلتما ثمّ كونا عاملين كأبيكما أو صوفيين مثلي ... وإذن لا يكونالغزالي ، إلا رجلاً عادياً مغموراً . وإن كان له نبوغ ، كان نبوغهمحصوراً في هذه البلدة الضيّقة ، وهذه الدائرة الصغيرة ، ولكن هذا الرجلالصوفي الذي أجهل اسمه كان رجلاً مكشوف البصيرة ، فرأى بفراسة المؤمن ؛وهي من نور الله ، أنّ الولدين خلقا ليكونا عالِمَين عَلَمين ، وأنّ هذاالدماغ لا يمتلئ بما وضع فيه هذا الصوفي من علمه القليل ، فقال لهما :
لقدأنفقت عليكما كل ما كان لكما من مال ، وأنا رجل فقير ليس عندي ما أعينكمابه ، وحرام أن تدعا العلم ، فعليكما بمدرسة من هذه المدارس .
وكانت هذه المدارس هي العامل الثالث في تكوين الغزالي .
هذهالمدارس التي أدركتم بقاياها من دمشق ، في العمرية في الصالحية التي كانتجامعة حقيقيّة ذات فروع وأقسام ، وفي المراديّة ، وفي البادرائيّة وغيرها .
هذهالمدارس التي بناها الأخيار من الأمراء والأغنياء ، ووقفوا عليها الوقوفالكبيرة وفتحوها لطلاب العلم ، فهي تقدّم لهم الفراش والطعام والشرابوالكسوة والنفقة ، وتحمل عنهم هموم العيش ، وتفرّغهم لطلب العلم ، وتعلمهممع العلم ما هو خير من العلم ؛ وهو التقى والأخلاق ، والعلم بلا تقوى ولاأخلاق شرّ على صاحبه وعلى الناس . . الجهل خير منه !
وتعصمهم من مثيرات الهوى ، ومفاسد الحياة .
والعاملالرابع ، الرحلات فقد رحل في طلب العلم كما كان يرحل العلماء ، يقطعونالأيام والليالي مسافرين ، ليأخذوا مسألة ويتلقّوا حديثاً ، رحلات خالصةلوجه الله ، ولطلب العلم . لا للتسلية ولا للمتعة والتفرّج ، ولا للتجارةوالكسب ، وفي إحدى هذه الرحلات تلقّى درساً كان له في نفسه وفي مستقبلهأبلغ الأثر ، درساً لم يتلقه من عالم ولا محدّث ولكن من قاطع طريق ...
قاطعطريق خرج على القافلة التي كان فيها ، فجرّدها من كل شيء ، وكان معالغزالي دفاتره التي يدوّن فيها ما يسمعه ، فجعل يبكي عليها ، ويتوسّل إلىقاطع الطريق أن يردّها ويقول له :
أنا لا أبالي بالمال ولا بالثياب ولكن تعليقتي ، هي ثمرة كل ما حصّلته ، فقال له متعجّباً : وما تعليقتك ؟
قال : دفتر فيه علمي كلّه .
فضحك قاطع الطريق وقال له : كيف تقول علمي ، وأنت لا تعلمه ، وإن ضاعت تعليقتك ، لم يبق لك منه شيء ؟ ... ورماها إليه .
قالالغزالي : هذا رجل أنطقه الله ، ليبصِّرني في أمري . ولمّا وصل إلى البلدحفظ كل ما فيها ، وصار لا يبالي إن ضاعت أو سرقت أو احترقت .
والعاملالخامس في تكوينه ، صحبة العالم العظيم إمام الحرمين ، فقد لازمه مدّةطويلة وأخذ منه . وسار أولاً على طريقته ، ثمّ استقلّ وشقّ لنفسه طريقةجديدة ، وفاق في المعقولات إمام الحرمين ، وهو لا يزال إلى اليوم أكبرأئمة الفكر الإسلامي ، ونحن نقرأ كتبه ، مستفيدين منها معجبين بها ، كمااستفاد منها وأعجب بها رجال عصره ، ولقد سما العقل خلال هذه القرونالثمانية . واتّسع العلم ، ولكنّ الغزالي لا يزال في القرن الرابع عشر ،كما كان في القرن الخامس ، إماماً يُقتدى به وعبقريّاً لا نظير له .
حياة الغزالي يا أيها السادة : لها صفحتان ... هذه الصفحة العلميّة والصفحة الصوفيّة .
لقدبقي في نفسه أثر من أستاذه الأول ، الرجل الصوفي الذي أوصى إليه به أبوه ،وكان يتنازع قلبه التفكير العلمي الذي هو أثر من إمام الحرمين ، وهذاالتأمل الصوفي ، ثمّ غلب عليه التصوّف ، فاستقال فجأة من أستاذيّة الجامعة، ورحل منقطعاً إلى العبادة ، آخذاً نفسه بالزهد والسهر وقلّة الطعام ،وما ابتدعه الصوفيّة من مناهج زعموا أنّها هي التي توصّل إلى الله ، معأنّ أقرب الطرق إلى الله ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،وكان يطوف على الترب والمقابر ، ويأوي إلى القفار ، ويجاهد نفسه مجاهدةشديدة ليقتل فيها حب الغنى والجاه والملذّات ، ومع ذلك لم يقبل على الوعظلأنّه يرى أنّ الواعظ يجب أن يكون نموذجاً كاملاً لما يدعو إليه ، وأنيتجرّد من حب الدنيا ولذائذها ، وحب المال وجمعه ، قبل أن يعظ الناس .
وفيهذه المدّة حجّ ودخل الشام ومصر ، وكانت أكثر إقامته في دمشق ؛ في الجامعالأموي ؛ في الغرفة التي يصعد منها إلى المنارة الغربيّة ، والزاوية التيعُرفت بعد بزاوية الغزالي ، وفيها ألّف كتابه العظيم إحياء علوم الدّين .
ووقعتله في دمشق وقائع عجيبة ، جاءها متنكّراً فنزل السميساطيّة ، وكان يقهرنفسه على تنظيف المراحيض إذلالاً لها ، ويدخل المسجد بزيّ العوام ، وكانليلة في المسجد ؛ فجاء قرويّ يسأل عن مسألة ، فدلّوه على دكّة المفتينوالعلماء ، فسألهم فلم يعرفوا جوابها ، فدعاه الغزالي فقال: ما مسألتك؟
قال : إنّ المفتين لم يعرفوا جوابها ، أفتعرف أنت ؟... قال : هاتها .
فألقاهاعليه ، فأجابه الغزالي عنها . فعاد الرجل إلى المفتين ، وقال : أنتم لمتعرفوا الجواب وقد عرفه هذا العاميّ ، وخبّرهم بما أجابه به ؛ فشُدِهواوقاموا إليه .. فقالوا : من أنت ؟ إنّ لك لشأناً ! واستحلفوه فخبّرهم ،فاحتفلوا به وسألوه أن يعقد لهم من الغد مجلساً ، وبحثوا عنه في الغد فلميجدوه لأنّه كان قد هرب في الليل .
ومنوقائعه أنّه دخل المدرسة الأمينيّة مرّة (وهي قائمة في سوق الحرير ؛ وهيمن أقدم المدارس الإسلامية في الدنيا ) وكان متخفّياً فسمع المدرّس يقرأكتبه ويشرحها ، فخاف أن تغلبه نفسه فيظهر أمره فهرب ...
ثمّعاد إلى بلده ، وأكرهوه على أن يعود إلى التدريس ، فعاد يدرّس في الجامعةالنظاميّة في نيسابور ، ولكن بغير النفس الأولى ، إذ كان منصرفاً عنالمناظرات ، زاهداً في الجاه ، ثمّ استقال وذهب إلى طوس فأنشأ في دارهخانقاه (أي: تكيّة) ومدرسة وكان يصرف وقته في العبادة والذكر والتعليم .
حتى مات ميتة تدل على حسن الخاتمة وهو ابن خمس وخمسين سنة فقط .
هذاهو الغزالي الذي كان أحد أفذاذ المفكّرين في العالم كلّه ، وأحد الكبار منأعلام الإسلام ، وكان عيبه ضعفه في الحديث ، وقد أقبل على روايته في آخرعمره ، ولكن الأجل لم يمهله . وكتاب الإحياء على جلالة قدره مملوءبالأحاديث الموضوعة ، ومن أراد أن يقرأه ، فليرجع معه إلى من خرّج أحاديثهكالعراقي . أو ليقرأ مختصره للشيخ جمال الدين القاسمي .
وشيءآخر هو أنّ هذه الروح التي تتجلّى في كتاب الأحياء روح الانصراف عن الدنيا، والميل إلى الفقر ليست هي الروح الإسلامية ، إنّ الروح الإسلامية تتجلّىفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، والعجيب أنّه ألّفه في العصرالذي توالت فيه الهجمات على الإسلام من مغول الشرق وصليبيّي الغرب فلو أخذالمسلمون بما يدعو إليه كتاب الأحياء ، لما وجدت قوة عسكرية تردّ التتارالمغول من هنا ولا الصليبيين من هناك .
هذاهو الغزالي ، والفكر الإسلامي منذ أكثر من خمسين سنة إلى اليوم مطبوعبطابع شيخ الإسلام ابن تيميّة ، ولكنّه بدأ يعود إلى طابع الغزالي كما كانمن قبل ، وكلاهما عظيم .. ولكنّ الغزالي أعظم في عالم الفكر وعالم البيان، وابن تيميّة أقرب إلى الكتاب والسنّة ، وإلى ما كان عليه السلف .
رحمة الله عليهما ، وعلى كل من وضع لبنة في هذا الصرح العظيم ...
صرح الفكر الإسلامي .


المصدر
كتاب رجال من التاريخ
للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
سجل