منتدى جلاكسو

NoAvatar

غير متصل essmat

  • عضو
  • *
  • المشاركات :82
  • عضويه: 22200
  • تاريخ التسجيل : 05/07/2009 » 04:30:pm
قتيبة بن مسلم الباهلي
 (شوهد 933 مرات)
« : 10/07/2009 » 01:53:am »
قُتَيْبَةَ بنُ مُسلِمٍ البَاهِلِيّ
*فَاتح المَشرِق*
*****

إنكملا تفهمون هذا الحديث إلا إذا وضعتم تحت أعينكم مصوَّر العالم الأسلامي .أترون إلى هذه البلاد التي تمتد من ساحل المحيط الأطلنطي ، حتى لتكاد تتصلبساحل المحيط الهادي ، من فارس إلى الصين . إننا لم نفتح هذه البلاد لهواًأو لعباً ، ولكن أرقنا فيها أنهاراً -أنهاراً حقّاً- من دمائنا . وضحّينافيها بجبال من أجسادنا . وسخّرنا لها عبقرياتنا ، ووقفنا عليها بطولاتنا ،التي لم يعرف التاريخ إلا الأقل منها ، وبقي سائرها سرّاً في ضمير الغيب ،واحتساباً عند الله .
ولكلمنطقة قصة رائعة ، تقرؤها فتقول هذه أروع قصص الفتوح ، فإذا قرأت الثانية؛رأيتها أجلّ وأكبر . ولكل معركة قوّاد عباقرة تسمع أخبارهم ، فتقول هؤلاءأعظم قوّاد الزمان ، فإذا سمعت أخبار قادة المعركة الأخرى قلت : هؤلاءأعظم وأقدر .
وإذاأنت أمام سلسلة ذهبية لا تدري أي حلقة فيها أثمن من الأخرى ، وأي مرحلة منمراحل الفتوح كانت أطول وأروع ؛ فتوح الشام؟ .. أم العراق؟ .. أم المغرب؟.. أم المشرق؟ .. أم الروم والأناضول؟ .. أم الأندلس وجزائر البحر؟
لقدتعاقب على هذه الراية الإسلامية حتى بلغ بها الأفقين . وركزها في المشرقوالمغرب مئات من القوّاد ، منهم من وقف يدافع عنها ألا تتراجع ، ومنهم منرفعها بعدما كانت تميل ، وأعلاها وأعاد لها مجدها . ومنهم من مشى بهاخطوات في الطريق الوعر ، ومنهم من قطع بها أقطار الأرض ؛ وفتح بها الفتوح .
وهذاالحديث عن قائد من هؤلاء القوّاد الكبار ، واحد من سادة المعارك ، وعباقرةالحروب في التاريخ العالمي ، نابغة عبقري من طبقة انيبال والاسكندر، وخالدوسعد ، وعقبة والمهلّب وطارق ، ومحمد بن القاسم ، وصلاح الدين ونابليون.
عنالرجل الذي ضمّ بسيفه إلى الوطن الإسلامي ، بلاداً أوسع من فرنسا وألمانياوإيطاليا وإنكلترا معاً ، بلاداً يسكنها أقوى شعوب العالم القديم علىالحرب . وأشدّها تمرّساً به ، وبراعة فيه ، وقدرة عليه .
رجلما رفعه نسبه فقد كان من أخسّ قبائل العرب ، وأحطّها منزلة ، من قبيلة كانيستحي أبناؤها من الانتساب إليها . ويضرب المثل عند ذكر الضَعَة بها ،ويترفّع العرب عن ذكرها ، من (( باهلة )) .
هوالرجل الذي اختاره الحجّاج ، دون الكهول المجرَّبين ؛ والقوّاد المشهورين، ليتولى القيادة العامة لجيش المشرق ، ليكون خلفاً للقائد العظيم الذي لاأجد أحداً من قوّادنا أشبه بخالد في براعته وعبقريته منه ، المهلّب(منأعظم قوّاد الزمان ولكن أكثرنا يجهل أخباره) ، والذي عجب الناس من انتخابهلها ، وأنكروه ، ولولا خوفهم من الحجّاج لعابوه وأبوه ، فلم تمض إلا مدةمن الزمان حتى أثبت أنه من أقدر القوّاد ، وأن الحجّاج كان ثاقب النظر ،صادق الفراسة ، عظيم الخبرة بالرجال .
الرجلالذي فتح من حدوده إيران اليوم إلى أواخر تركستان ، والذي دخل الصين ،ولولا ما كان من الفواجع التي أودت به شاباً لفتح الهند والصين .
ألم تعرفوا بعد من هو؟؟!
إنه قتيبة ، قتيبة بن مسلم الباهلي .
كانمركز جيش المشرق ((مَرو)) ، وكانت الفتن قد عصفت بذلك الجيش الضخم الذيكان يقوده المهلّب وابنه يزيد ، فلمّا عرضه قتيبة لم يجد فيه إلا ثلاثمئةوخمسين درعاً فالتجأ إلى آخر حمى يلتجئ إليه كل جيش في الدنيا ، إلى الحمىالذي لا ينال من احتمى به ، إلى الحصن الذي لا يؤخذ من تحصّن به وهوالإيمان ، فقام يخطب في هذه البقيّة من جيش يزيد بن المهلّب ، ويذكرهمالله ، ويرغّبهم ثوابه ، ويحضّهم على الجهاد ، الجهاد لإعلاء كلمة الله ؛لا الجهاد للمال ولا للبطولة ولا للمجد ، الجهاد الذي لا يثمر إلا إحدىالحسنيين : الظفر أو الجنة .
هزّنفوسهم ، فطرح عنها أثقال الأحقاد والشهوات والأهواء ، فلمّا تخفّفت منهاسمت بجناحين من الإيمان والإقدام ، إلى آفاق لم تكن تظن أنها تبلغها .فكانت هذه الكلمات حين مست جوانب الإيمان في النفوس ، قد زادت الجيش عدداًإلى عدده ، وعُدداً إلى عُدده ، فإذا هو جيش جديد ، قوي ، لو رمى بهالمرامي لاستجاب له ، ولو قَحَم به البحر لاقتحمه ، ولو رام به الجباللدكّها ..... وكذلك تجدّد الجيوش ، وتُعد للظفر .
وتوجّهالجيش المؤمن على اسم الله ، لينشر الإيمان في أرض لم ينتشر فيها . ويفيضالنور على أمم لم ترَ بعد النور ، سار يصل الحلقات القديمة من سلسلةالفتوح الذهبية بحلقات جديدة ، سار ليتمّم الرسالة ، ويحقّق المعجزة ،ويحمل راية الإسلام مرحلة أخرى في طريقها المرسوم ، حتى تتمّ رحمة اللهللعالمين ، فتظلل الأرض كلّها .
وماهيإلا جولات حتى عجم الأعداء عوده ، وعرفوا أي سهم ماضٍ رماهم به الحجّاج ،فأقبلوا يتسابقون إلى الطاعة ، وجعلت تتساقط على قدميه التيجان ، وجاء ملك((الطالقان)) ، وملك ((الصغانيان)) ، من ملوك الترك ، فقدّما إليه مفاتيحمن الذهب على وسائد من الحرير ، رمزاً للاستسلام بلا قيد ولا شرط ،وتبعهما الملك الكبير الدّاهية ((نيزك طرخان)) ، ملك باذغيس(في طرفالأفغان اليوم) فخضع له ، وتقدّمت جيوشه ، فلم تلق معارضة تذكر ، حتى وقفتللمعركة الكبرى في بيكند على أبواب بخارى ، وقد تحالفت أمم الترك كلها علىقتيبة وحصرته ؛ فانقطعت أخبار الجيش عن الحجّاج ، شهرين كاملين ، حتى يئسولم يبق إليه إلا اللجوء إلى الله عزّ وجلّ ، وكذلك يا أيها القارئون يرفعالناس وجوههم إلى السماء ، كلّما ضاقت عليهم سبل الأرض ، فيرون باب السماءمفتوحاً أبداً ، وإن غلقت عليهم أبواب الأرض كلّها ، فأمر الخطباء بالدعاءلهم على المنابر .
وكان لقتيبة جواسيس في جيش العدو ، فأغروا كبيرهم بأن يكون معهم على قتيبة ، وشروه على أن يغشّه فجاءه وقال : أخلني .
فاختلىبه ، وما معهما إلا واحد من القوّاد . فقال الجاسوس : إنّ العدو كثير ،وإن الحجّاج قد عزلك وبعث آخر في مكانك ، وأنا أرى أن تنسحب بالجيش . فقال:
أمّا كثرة العدو ؛ فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين .
وأمّا عزلي ؛ فأنا أقاتل لله لا للحجّاج ، وأمّا أنت فقد خنت . وقرره فأقرّ فضرب عنقه ، وقال للقائد :
لم يسمع هذا إلا أنا وأنت ، وإن فهت به لألحقنّك بالخائن .
وكانت المعركة ، واشتدت ، وصدقوا الحملة ، حتى زلزلت المدينة ، واضطرب جيش الأعداء ، فطلبوا الصلح ، وكانت المعاهدة .
ولكنهلم يكد يرجع عنهم حتى نقضوا المعاهدة ، فعاد إليهم وصدمهم صدمة صدعتقلوبهم ، وكانت الهزيمة وفتحت بيكند ، وأصابوا فيها من الأسلحة والعُددوالأموال والكنوز ، ما لا يعلم عدده إلا الله ، وتولّى قسمتها ابن وألانالعدوي ؛ وكان يسميه الأمين ابن الأمين .
واسمعوا هذا الخبر عن أخلاق أولئكم الجند ، لتعلموا أنهم غلبوا الأمم وفتحوا الأرض بهذه الأخلاق .
طلبأحد القوّاد من ابن وألان أن يحفظ له نصيبه من الغنائم . قال : ابعث بهإلى مكان كذا فترى رجلاً فادفعه إليه ، وأنا أضمنه ، وانتظره ابن وألان ،فتأخّر ، فظنّ أنه عدل عن إيداعه فانصرف ، وجاء جندي من تغلب ، فلمّا وصلالرسول رآه فوضع المال وانصرف ، فلمّا لم ير الجندي أحداً ، أخذ المال إلىمنزله ، واحتاج القائد إلى شيء من المال فطلبه من ابن وألان ، فقال : لمآخذ منك شيئاً ، قال : بل أخذته ، واختصما وشاع الخبر حتى بلغ الجندي فجاءيسأل القائد : وما مالك ؟ وما علا مته ؟
قال : علامته كذا ، قال : هو عندي . وجاء به فدفعه إليه لم تحل عقدة حزمه ، وأبى أن يأخذ منه شيئاً .
وكان الجندي فقيراً والمال خمسمئة ألف درهم أي نصف مليون ..
وتوجهالجيش إلى بخارى ، إلى البلد الذي استعصى من قبل على الفاتحين ، فلم يُقدرعليه . فكتب إلى الحجّاج ، فكتب إليه الحجّاج : صوّر لي صورة البلد ،فأرسل له مصوّرها . فقال : ائتِها من جهة كذا ، ورسم له الخطة وهو فيالعراق !
واجتمعتالترك من أقطارها ، وهجموا على جيش المسلمين حتى أزالوا الجناحين وصدمواالقلب ، وبلغوا مصاف النساء وقتيبة ثابت ، يسأل : أين محمد بن واسع؟ ....وكان رجلاً يصحبه في غزواته .
قالواهو هناك يدعو الله ويشير بإصبعه إلى السماء ، قال : لهذه الإصبع أحب إليَّمن مئة ألف سيف شهير ، جاء النصر . من يبايع على الموت ؟ من يبيع نفسه منالله ؟ ... فتقدّم كثيرون ، فاختار منهم ثمانمئة فدائي مؤمن ، كل واحدمنهم بجيش ، لأنّ من أراد الموت لا يموت ، ومن استعان الله لا يغلبه بشر ،ومن نادى من قلبه (((الله أكبر))) لا يقوى عليه قوي ، ولا يكبر كبير ،وحملوا فكان الفتح .
وغدرنيزك ومن كان أطاع من الملوك وثاروا ، وجمعوا الجيوش ، ولكن قتيبة ضربهمضربة قاصمة ، أطاحت برؤوسهم وأعادت البلاد إلى ظل راية محمد صلى الله عليهوسلم . ومشى ، مشى إلى الأمام حتى بلغ ما لم يبلغه قائد من قبل ، ولم يصلإليه فاتح ، مشى حتى فتح في عام واحد قطرين عظيمين : خجندة((خوارزم)) وَ((سمرقند)) ، بعد معارك يشيب لها الولدان ، ثم مشى حتى دخل كأشغر أول بلادالصين .
ولاأريد أن أصف الخاتمة المروّعة التي ختم بها جهاد هذا المجاهد ، والميتةالفاجعة التي ماتها هذا البطل ، والتي كانت إحدى الثمرات المريرة ، لهذهالغرسة الملعونة التي غرسها في تاريخنا معاوية رحمه الله .
فمن شاء فليقرأ الخبر في تاريخ الطبري ، والبلاذري وفي كل تاريخ .
وإني لأختمه بأغرب قصة في تاريخ الحروب في العالم . قصة لم يقع لأمة مثلها ولا أظن أنها ستقع لأمة .
لقدكان من قتيبة في فتح سمرقند المدينة العظيمة شيء من الغدر . كما قال الناس، فلما كانت خلافة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز ، رفع إليه أهلسمرقند ، دعوى على الجيش الإسلامي ، يدّعون فيها أنّ بلدهم فُتح غدراً .فأمر عمر بتأليف محكمة خاصة من قاض واحد لرؤية هذه الدعوى .
وجلسالقاضي إلى سارية المسجد ، وأحضر المدّعين والمدّعى عليه ؛ القائد العامللجيش الإسلامي ، وسمع أقوالهما ثمّ أصدر حكماً يستطيع القضاء الإسلامي أنيفخر به على كل قضاء في الدنيا ، حكم ببطلان الفتح لأنّه كان غدراً ،ولأنّه خالف قواعد الإسلام في الحروب ، وبخروج الجيش الإسلامي منها .وإعطائها مهلة للاستعداد . ثمّ إعلان الحرب من جديد ، ونُفِّذ هذا الحكمالغريب وشرع الجيش بالانسحاب ، ولكنّ أهل البلد المدّعين ؛ الذين أدهشتهمهذه العدالة الإسلامية ، والذين ذاقوا نعمة الحكم الإسلامي في هذه السنينالطويلة ، عادوا يطلبون طوعاً واختياراً أن يبقوا تحت راية الإسلام .
بهذا الإيمان وهذه الأخلاق ، لا بسيوفنا ورماحنا فتحنا العالم ، وأفضنا عليه نور الإسلام .
وبمثلهذا الإيمان وهذه الأخلاق نستعيد فلسطين ، ونحرّر من الاستعمار كل بلدإسلامي ، ونكتب صفحة أمجادنا في التاريخ مرة أخرى إن شاء الله تعالى .

رحم الله القائد العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي
وجزاه عن أمة الإسلام كل خير
وأعلى في الجنان منزلته


المصدر
كتاب رجال من التاريخ
للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
سجل