منتدى جلاكسو

NoAvatar

غير متصل essmat

  • عضو
  • *
  • المشاركات :82
  • عضويه: 22200
  • تاريخ التسجيل : 05/07/2009 » 04:30:pm
سلمان الفارسي
 (شوهد 842 مرات)
« : 10/07/2009 » 01:46:am »
سَلْمَاْنُ الفَارِسِيُّ

(( لو كان الإيمان بالثُّريَّا لتناوله رجال من هؤلاء )) ... ( قالها الرسول صلى الله عليه وسلم وكان واضعا يده على سلمان )
......................

قصتنا هذه هي قصة السّاعي وراء الحقيقة ، الباحث عن الله عزّ وجلّ ... قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه .
فلنترك لسلمان نفسه المجال ليروي لنا أحداث قصته ... فشعوره بها أعمق ، وروايته لها أدقّ وأصدق ...
قالسلمان : كنت فتىَ َ فارسيا من أهل أصبهان (أصبهان أو أصفهان : مدينة بوسطإيران ؛ بين طهران وشيراز ) ، من قرية يقال لها ( جَيَّان) وكان أبيدُهقان القرية ( أي: رئيسها) وأغنى أهلها غنى ، وأعلاهم منزلة . وكنتأحبَّ خلق الله إليه منذ ولدت ، ثم ما زال حبّه لي يشتدّ ويزداد علىالأيام حتى حبسني في البيت خشية عليَّ ، كما تحبس الفتيات .
وقداجتهدت في المجوسيَّة(دين يعبد أصحابه النار أو الشمس) ، حتى غدوت قيّمالنار التي كنّا نعبدها ، وأنيط بي ( أُوكل إلي) إضرامها حتى لا تخبو ساعةفي ليل أو نهار ... وكان لأبي ضيعة عظيمة تدر علينا غلّة كبيرة ، وكان أبييقوم عليها ويجني غلّتها .
وفيمرة شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل ، فقال : يا بني إني قد شغلت عنالضيعة بما ترى ، فاذهب إليها وتولّى اليوم عنّي شأنها ، فخرجت أقصدضيعتنا ، وفيما أنا في بعض الطريق مررت بكنيسة من كنائس النصارى ؛ فسمعتأصواتهم فيها وهم يصلّون فلفت ذلك انتباهي .
لم أكن أعرف شيئا من أمر النصارى أو أمر غيرهم من الأديان لطول ما حجبني أبي عن الناس في بيتنا ،
فلمّا سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ما يصنعون . فلمّا تأمّلتهم أعجبتني صلاتهم ، ورغبت في دينهم وقلت :
واللههذا خير من الذي نحن عليه ، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس ، ولم أذهبإلى ضيعة أبي ، ثم إنّي سألتهم : أين أصلُ هذا الدين ؟ ... قالوا : فيبلاد الشام .
ولمّاأقبل الليل عدت إلى بيتنا فتلقّاني أبي يسألني عمّا صنعت ، فقلت : يا أبتإني مررت بأناس يصلّون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم ، وما زلتعندهم حتى غربت الشمس ... فذُعر أبي ممّا صنعت وقال : أيْ بني ليس في ذلكالدين خير ... دينك ودين آبائك خير منه .
قلت : كلا – والله- إنّ دينهم خير من ديننا ، فخاف أبي ممّا أقول ، وخشي أن أرتدّ عن ديني ، وحبسني بالبيت ؛ ووضع قيدا في رجلي .
ولمّا أُتيحت لي الفرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم : إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني .
فماهو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب مُتّجه الى بلاد الشام ، فأخبروني به ؛فاحتلت على قيدي حتى حللته ، وخرجت معهم متخفّيا حتى بلغنا بلاد الشام ...فلما نزلنا فيها ، قلت : من أفضل رجل من أهل هذا الدين ؟
قالوا: الأُسقُفُ راعي الكنيسة (الأسقف: مرتبة من مراتب رجال الدين عند النصارىفوق القسّيس ودون المطران )، فجئته فقلت : إنّي قد رغبت في النصرانيَّة ،وأحببت أن ألزمك وأخدمك وأتعلّم منك وأصلّي معك .
فقال: ادخل ، فدخلت عنده وجعلت أخدمه .... ثم ما لبثت أن عرفت أنّ الرجل رجلسُوء ، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة ويرغِّبهم بثوابها ، فإذا أعطوه منهاشيئا لينفقه في سبيل الله ؛ اكتنزه لنفسه ولم يعط الفقراء والمساكين منهشيئا ، حتى جمع سبع قلال من الذهب ( القلال : جمع قلة وهي الجرة العظيمة ).
فأبغضته بُغضا شديدا لِمَا رأيته منه ، ثم ما لبث أن مات فاجتمعت النصارى لدفنه ، فقلت لهم :
إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغّبكم فيها ، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا .
قالوا : من أين عرفت ذلك ؟! .... فقلت : أنا أدلّكم على كنزه .
قالوا : نعم دلّنا عليه ، فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وفضّة ، فلّما رأوها قالوا :
والله لا ندفنه ، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة .
ثمإنه لم يمض غير قليل حتى نصّبوا رجلا آخر مكانه ، فلزمته ، فما رأيت رجلاأزهد منه في الدنيا ، ولا أرغب منه في الآخرة ، ولا أدأب منه على العبادةليلا ونهارا ، فأحببته حبّا جمّا (كثيرا) ، وأقمت معه زمانا ، فلمّا حضرتهالوفاة قلت له :
يا فلان إلى من تُوصي بي ، ومع من تنصحني أن أكون من بعدك ؟ .
فقال : أي بنيَّ ، لا أعلم أحدا على ما كنت عليه إلا رجلا بالموصل هو فلان لم يحرّف ولم يبدّل فَالْحق به .
فلمامات صاحبي لحقت بالرجل في الموصل ، فلمّا قدمت عليه قصصت عليه خبري وقلتله : إنّ فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ، وأخبرني أنّك مُستَمسِك بماكان عليه من الحق ، فقال : أقِم عندي ... فأقمت عنده فوجدته على خير حال .
ثمإنه لم يلبث أن مات ، فلمّا حضرته الوفاة قلت له : يا فلان لقد جاءك منأمرِ الله ما ترى وأنت تعلم من أمري ما تعلم ، فإلى من تُوصي بي ؟ ....ومن تأمرني باللَّحاق به ؟ .
فقال: أي بني ، والله ما أعلم أن رجلا على مثل ما كنّا عليه إلا رجلا بنصيبينوهو فلان فالحق به (نصيبين: مدينة على طريق القوافل من الموصل إلى الشام ،وتبعد عن الموصل ستة أيام ) .
فلمّا غُيِّب الرجل في لحده لحقت بصاحب نصيبين وأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي ، فقال لي :
أقمعندنا ..... فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير ، فواللهما لبث أن نزل به الموت ، فلمّا حضرته الوفاة قلت له : لقد عرفت من أمريما عرفت ، فإلى من توصي بي ؟ .
فقال: أي بني ، والله إني ما أعلم أحدا بقي على أمرنا إلا رجلا بعمّوريّة هوفلان ، فالحق به ..... فلحقت به وأخبرته خبري ، فقال : أقم عندي ... فأقمتعند رجل كان - والله- على هدي أصحابه ، وقد اكتسبت وأنا عنده بَقَرَاتِ ِوغُنَيْمَةَ َ.
ثمما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه من أمر الله ، فلما حضرته الوفاة قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم ، فإلى من توصي بي ؟ ..... وما تأمرني أن أفعل؟ .
فقال: يا بني - والله- ما أعلم أن هناك أحدا من الناس بقي على ظهر الأرضمستمسكا بما كنّا عليه ..... ولكنّه قد أظلّ زمان (دنا وقرب) يخرج فيهبأرض العرب نبيّ يُبعث بدين إبراهيم ، ثمّ يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخلبين حرّتين ( الحرّة: أرض ذات حجارة سود نخرة ) ، وله علامات لا تخفى ...فهو يأكل الهديّة ، ولا يأكل الصدقة ... وبين كتفيه خاتم النبوّة ، فإناستطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل .
ثموافاه الأجل ، فمكثت بعده بعمّوريّة زمنا إلى أن مرّ بها نفر من تجّارالعرب من قبيلة (( كَلْبِ ِ ))... فقلت لهم: إن حملتموني معكم إلى أرضالعرب أعطيتكم بقراتي هذه وغُنيمتي ، فقالوا :
نعمنحملك ، فأعطيتهم إياها وحملوني معهم حتى إذا بلغنا (( وادي القرى)) غدروابي وباعوني لرجل من اليهود ، فالتحقت بخدمته ... ثم ما لبث أن زاره ابنعمّ له من بني قريظة فاشتراني منه ، ونقلني معه إلى يثرب فرأيت النخل الذيذكره لي صاحبي بعمورية ، وعرفت المدينة بالوصف الذي نعتها به ، فأقمت بهامعه .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يدعو قومه إلى مكّة ، لكني لم أسمع له بذكر لانشغالي بما يوجبه عليَّ الرقُّ .
ثمّما لبث أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ، فوالله إني لفي رأسنخلة لسيدي أعمل فيها بعض العمل ، وسيدي جالس تحتها إذ أقبل عليه ابن عمّله وقال : قاتلَ الله بني قَيْلَةَ (الأوس والخزرج) ، والله إنهم لمجتمعونبقُباء(اسم بئر قرب المدينة) ، على رجل قدِم عليهم اليوم من مكّة يزعمأنّه نبيُّ .
فماإن سمعت مقالته حتى مسّني ما يشبه الحمّى ، واضطربت اضطرابا شديدا حتىخشيت أن أسقط على سيّدي ، وبادرت إلى النزول عن النخلة ، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول ؟! أعد عليَّ الخبر ..... فغضب سيّدي ولكمني لكمة شديدة ،وقال لي : ما لك ولهذا ؟! ... عُد إلى ما كنت فيه من عملك .
ولمّاكان المساء أخذت شيئا من تمر كنت جمعته ، وتوجَّهت به إلى حيث ينزل الرسولصلى الله عليه وسلم ، فدخلت عليه ، وقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح ،ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء عندي للصدقة فرأيتكم أحقّ به منغيركم ، ثم قرّبته إليه ، فقال لأصحابه :
كُلوا ... وأمسك يده فلم يأكل ... فقلت في نفسي: هذه واحدة .
ثمانصرفت وأخذت أجمع بعض التمر ، فلمّا تحوّل الرسول صلى الله عليه وسلم منقباء إلى المدينة جئته فقلت له : إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هديةأكرمتك بها ..... فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه .... فقلت في نفسي :هذه الثانية .
ثمجئت رسول الله لى الله عليه وسلم وهو ((ببقيع الغرقد)) (مكان في المدينةالمنورة ؛جُعل مدفنا) ، حيث كان يواري أحد أصحابه ، فرأيته جالسا وعليهشملتان (الشملة :الكساء الغليظ) ، فسلّمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهرهلعلّي أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي ... فلمّا رآني النبي صلى الله عليهوسلم أنظر إلى ظهره عرف غرضي ، فألقى رِداءه عن ظهره ؛ فنظرت فرأيت الخاتم، فعرفته ... فانكببت عليه أُقبّلُه وأبكي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما خبرك ؟! .
فقصصتعليه قصّتي ، فأُعجب بها ، وسرَّه أن يسمعها أصحابه منّي ، فأسمعتهم إياها، فعجبوا منها أشدّ العجب ، وسرّوا بها أعظم السّرور .

فسلام على سلمان الفارسيِّ يوم قام يبحث عن الحق في كلِّ مكان .
وسلام على سلمان الفارسيِّ يوم عرف الحقَّ فآمن به أوثق الإيمان .
وسلام عليه يوم مات ، ويومَ يُبعثُ حيَّا .


المصدر
كتاب صور من حياة الصحابة
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله
سجل