منتدى جلاكسو

NoAvatar

غير متصل essmat

  • عضو
  • *
  • المشاركات :82
  • عضويه: 22200
  • تاريخ التسجيل : 05/07/2009 » 04:30:pm
عبد الله بن أمّ مكتوم
 (شوهد 803 مرات)
« : 10/07/2009 » 01:51:am »
عَبدُ الله بنُ أُمِّ مَكتُومِ

الصحابيّ الذي عُوتب فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم
...........


من هذا الذي عوتب فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات أقسى عتاب وأوجعه ؟!
من هذا الذي نزل بشأنه جبريل الأمين على قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بوحي من عند الله ؟!
إنّه عبد الله بن أم مكتوم مؤذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه .
وعبدالله بن أم مكتوم مكّيّ قرشيّ تربطه بالرسول عليه الصلاة والسلام رَحِم،فقد كان ابن خال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها ، أما أبوهفقيس بن زائدة ، وأما أمه فعاتكة بنت عبد الله ، وقد دُعيت بأمِّ مكتوملانها ولدته أعمى مكتوما .
شهد عبد الله بن أم مكتوم مطلع النور في مكة ، فشرح الله صدره للإيمان ، وكان من السابقين الى الاسلام.
عاشابن أم مكتوم محنة المسلمين في مكة بكل ما حفلت به من تضحية وثبات وصمودوفداء ...وعانى من أذى قريش ما عاناه أصحابه ، وبلا من بطشهم وقسوتهم((ايذاق وقاسى)) ما بلوه ؛ فما لانت له قناة ((ما ضعف ولا تزعزع)) ، ولا فترتله حماسة ، ولا ضعف له ايمان ...وانما زاده ذلك استمساكا بدين الله ؛وتعلقا بكتاب الله ؛ وتفقها بشرع الله ، وإقبالا على الرسول صلوات اللهوسلامه عليه .
وقدبلغ من إقباله على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحرصه على حفظ القرأنالعظيم أنه كان لا يترك فرصة الا اغتنمها ، ولا سانحة الا ابتدرها ((أسرعاليها)) ...بل كان إلحاحه على ذلك يغريه احيانا بأن يأخذ نصيبه من الرسولصلى الله عليه وسلم ونصيب غيره
وقدكان الرسول صلوات الله عليه في هذه الفترة كثير التصدّي لسادات قريش ،شديد الحرص على اسلامهم ، فالتقى ذات يوم بعتبة بن ربيعة ، وأخيه شَيبة بنربيعة ، وعمرو بن هشام المكنَى بأبي جهل ، وأمية بن خلف، والوليد بنالمغيرة(والد سيف الله خالد) ، وطفق يفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الاسلام، وهو يطمع في أن يستجيبوا له ، أو يكفّوا أذاهم عن أصحابه .
وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم يستقرئه آية من كتاب الله ، ويقول:
يا رسول الله ؛ علّمني مما علّمك الله .
فأعرضالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عنه وعبس في وجهه ، وتولّى نحو أولئكالنفر من قريش ، وأقبل عليهم أملا في أن يسلموا فيكون في اسلامهم عزّ لدينالله وتأييد لدعوة رسوله ، وما إن قضى رسول الله صلوات الله عليه حديثهمعهم وفرغ من نجواهم ، وهمَّ في أن ينقلب الى أهله((يعود اليهم)) حتى أمسكالله عليه بعضا من بصره ، وأحسَّ كأن شيئا يخفق برأسه((يضرب رأسه)) ...ثمأنزل سبحانه وتعالى عليه قوله :
"عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَلَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَأَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى(9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍمُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) " سورةعبس : الآية 1- 16
 
ستّعشرة آية نزل بها جبريل الأمين على قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلمفي شأن عبد الله بن أم مكتوم ، لا تزال تتلى منذ نزلت إلى اليوم ، وستظلّتتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
ومنذذلك اليوم ما فتئ الرسول صلوات الله عليه يكرم منزل عبد الله بن أم مكتوماذا نزل ، ويدني مجلسه اذا أقبل ، ويسأله عن شأنه ؛ ويقضي حاجته ....ولاغرو ((لا عجب)) ؛ أليس هو الذي عوتب فيه من فوق سبع سماوات أشدّ عتابوأعنفه ؟! ...
ولمّاكلبت قريش ((اشتدّت)) على الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه ،واشتدّ أذاها لهم ، أذن الله للمسلمين بالهجرة ؛ فكان عبد الله بن أممكتوم أسرع القوم مفارقة، فقد كان هو ومصعب بن عمير أوّل من قدم المدينةمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ...وما إن بلغ عبد الله (يثرب) حتىبدأ هو وصاحبه مصعب يختلفان الى الناس((يترددان على الناس)) ويُقرآنهمالقرأن ويفقّهانهم في دين الله .
ولمّاقدم الرسول عليه الصلاة والسلام الى المدينة اتّخذ عبد الله بن أم مكتوم ؛وبلال بن رباح ؛مؤذِّنَين للمسلمين يصدعان ((يجهران)) بكلمة التوحيد كليوم خمس مرات، ويدعوان الناس الى خير العمل ، ويحضّانهم الى الفلاح ...فكان بلال يؤذّن ، وابن أم مكتوم يقيم الصلاة ، وربما أذّن ابن أم مكتوموأقام بلال ...
وكانلبلال وابن أم مكتوم شأن آخر في رمضان ، فقد كان المسلمون في المدينةيتسحرون على أذان أحدهما ويمسكون على أذان الآخر...وكان بلال يؤذن بالليلويوقظ الناس، وكان عبد الله يتوخّى الفجر((يترقّبه ويتطلّبه)) فلا يخطئه.
وقدبلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه علىالمدينة عند غيابه عنها بضع عشرة مرة ؛ كانت إحداها عندما غادرها لفتحمكّة.
وفيأعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه من آي القرأن ما يرفع شأن المجاهدين ،ويفضّلهم على القاعدين لينشط المجاهد الى الجهاد ، ويأنف القاعد من القعود؛ فأثّر ذلك في نفس ابن أم مكتوم ، وعزَّ عليه أن يحرم من هذا الفضل ؛فقال :
(يارسول الله ؛ لو استطعت الجهاد لجاهدت....ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزلقرآنا في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، وجعل يدعو فيضراعة : اللهم أنزل عُذري... اللهم أنزل عُذري ....فما أسرع أن استجابالله عزّ وجلّ لدعائه ).
حدّث زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :
كنتالى جنب الرسول صلوات الله عليه ، فغشيته السكينة ؛ فوقعت فخذه على فخذي ؛فما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سرِّيعنه((كشف عنه ما نزل به من شدة الوحي)) فقال : اكتب يا زيد ...فكتبت :
( لا يَسْتَوِي القَاعِدُوْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيْلِ اللهِ )
فقامابن أم مكتوم وقال : يا رسول الله ؛ فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ؟!....فماانقضى كلامه حتّى غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فوقعت فخذهعلى فخذي ؛ فوجدت من ثقلها ما وجدته في المرة الأولى، ثم سرّي عنه ؛ فقال: اقرأ ما كتبته يا زيد ....فقرأت :
( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) ....
فقال : اكتب .... ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)

(( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. (95) )) سورة النساء : آية –95

فنزل الاستثناء الذي تمنّاه ابن أم مكتوم ...
وعلىالرغم من أن الله سبحانه وتعالى أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله منالجهاد ، فقد أبت نفسه الطّموح أن يقعد مع القاعدين ، وعقد العزم علىالجهاد في سبيل الله ... ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع الا بكبار الأمور.
فحرصمنذ ذلك اليوم على أن لا تفوته غزوة ، وحدّد لنفسه وظيفة في ساحات القتال، فكان يقول : أقيموني بين الصّفين ((أوقفوني بينهما)) ، وحمّلوني اللواءأحمله لكم وأحفظه ... فأنا أعمى لا أستطيع الفرار .
وفيالسنة الرابعة للهجرة عقد عمر بن الخطّاب العزم على أن يخوض مع الفرسمعركة فاصلة؛ تُديل دولتهم ((تقلب دولتهم)) وتزيل ملكهم ، وتفتح الطريقأمام جيوش المسلمين ؛ فكتب الى عمّاله يقول : لا تدعوا أحدا له سلاح أوفرس أو نجدة، أو رأي ؛ الا انتخبتموه ثم وجّهتموه إليَّ ، والعجل العجل .
وطفقتجموع المسلمين تلبّي نداء الفاروق ، وتنهال على المدينة من كل حدبوصوب((من كل ناحية)) ، وكان في جملة هؤلاء المجاهد عبد الله بن أم مكتوم .
فأمَّر الفاروق على الجيش الكبير سعد بن أبي وقّاص ، وأوصاه وودّعه .
ولمّابلغ الجيش (القادسية) برز عبد الله بن أم مكتوم لابسا درعه ، مستكملاعدّته ، ونَدَبَ نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ عليها ؛ أو الموت دونها .
والتقىالجيشان في أيام ثلاثة قاسية عابسة ... واحترب الفريقان حربا لم يشهد لهاتاريخ الفتوح مثيلا حتى انجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر((قوي)) للمسلمين ،فدالت دولة من أعظم الدول ...وزال عرش من أعرق عروش الدنيا ...
ورفعت راية التوحيد في أرض الوثنية ... وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء ...
وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم ...
فقد وجد صريعا مضرّجا بدمائه وهو يعانق راية المسلمين .

رحم الله الصحابيّ الجليل وجزاه عن أمّة الإسلام كلّ خير



المصدر
كتاب صور من حياة الصحابة
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله
سجل