منتدى جلاكسو

NoAvatar

غير متصل essmat

  • عضو
  • *
  • المشاركات :82
  • عضويه: 22200
  • تاريخ التسجيل : 05/07/2009 » 04:30:pm
أنس بن مالك الأنصاري
 (شوهد 924 مرات)
« : 10/07/2009 » 01:59:am »
أَنَسُ بنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيّ ُ


(( اللّهُمَّ ارزُقهُ مَالاً وَوَلَداً ، وبارِكْ لَهُ ))
من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهُ
.......

كانأنس بن مالك في عُمر الورد حين لقّنته أُمُّه((الغُمَيصَاء)) الشهادتين ،وأترعت (أي:ملأت) فؤاده الغضّ بحُبِّ نبيّ الإسلام محمد بن عبد الله عليهأفضل الصلاة وأزكى السلام ...
فشُغِفَ أنس به حُبّاً على السّماع .
ولا غروَ ، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا ...
وكمتمنّى الغُلام الصغير أن يمضي إلى نبيّه في مكّة ، أو يفِدَ الرسول الأعظمصلى الله عليه وسلم عليهم في يثرب ؛ لِيَسعدَ بِرُؤياه ويهنأ بلُقاه .
لميمض على ذلك طويل وقت حتّى سرى في يثرب المحظوظة المغبوطة أن النبي صلواتالله وسلامه عليه وصاحبه الصّدّيق في طريقهما إليها ... فغمرت البهجة كلّبيت ، وملأت الفرحة كلّ قلب ...
وتعلّقت العيون والقلوب بالطريق الميمون الذي يحمل خُطا النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى يثرب .
وأخذ الفتيان يُشيعون مع إشراقة كل صباح :
أنّ محمداً قد جاء ...
فكان يسعى إليه أنس مع السّاعين من الأولاد الصّغار ؛ لكنّه لا يرى شيئاً فيعود كئيباً محزوناً .
وفي ذات صباح شَذِيّ الأنداء(أي:مطيّب بالمسك) ، نضير الرُّواء ، هتف رجال في يثرب : إنّ محمداً وصاحبه غدوا قريتين من المدينة .
فطفق الرّجال يتّجهون نحو الطريق الميمون الذي يحمل إليهم نبيّ الهُدى والخير ...
ومضوايتسابقون إليه جماعات جماعات ، تتخلّلهم أسراب من صغار الفتيان تُزغرد علىوجوههم فرحة تغمر قلوبهم الصغيرة ، وتُترع أفئدتهم الفتيّة ...
وكان في طليعة هؤلاء الصّبية أنس بن مالك الأنصاريّ .
أقبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه مع صاحبه الصّدّيق ، ومضيا بين أظهُر الجموع الزّاخرة من الرجال والولدان ...
أمّاالنّسوة المُخَدَّرات(أي:المستقرات في خدورهن :أي بيوتهن) ، والصّباياالصّغيرات فقد عَلَوْنَ سطوح المنازل ، وجعلن يتراءين الرسول صلى اللهعليه وسلم ويقلن :
أيُّهم هو ؟! ... أيُّهم هو ؟! .
فكان ذلك اليوم يوماَ مشهوداً ...
ظلّ أنس بن مالك يذكره حتّى نيّف على المائة من عمره .
ماكاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يستقرُّ بالمدينة ؛ حتّىجاءت((الغُمَيصاء)) أُمُّ أنس ، وكان معها غُلامها الصّغير ، وهو يسعى بينيديها ، وذُؤابتاه(الذُؤابة: الشعر المضفور من الرأس) تتحركان على جنبيه...
ثمّ حيَّت النبي عليه الصلاة والسلام وقالت :
يا رسول الله ... لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفَوكَ بتُحفَة ، وإنّي لا أجِدُ ما أُتحِفُكَ بِه غير ابني هذا ...
فخُذهُ ؛ فَليخدمك ما شئت ...
فَهَشَّالنبي صلى الله عليه وسلم للفتى الصّغير وبشَّ (هشّ وبشّ: فرح به وأقبلعليه بوجه طلق) ، ومسح رأسه بيده الشريفة ، ومسَّ ذُؤابته بأناملهالندِيَّة ، وضَمَّه إلى أهله .
كان أنس بن مالك أو (( أُنَيسٌ ))- كما كانوا يُنادونه تدليلاً- في العاشرة من عمره يوم سعِدَ بخدمة النبي صلوات الله وسلامه عليه .
وظلَّ يعيش في كنفه ورعايته إلى أن لحِق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى .
فكانتمُدّة صُحبته له عشر سنوات كاملات ، نهل فيها من هديه ما زكّى به نفسه ،ووعى من حديثه ما ملأ به صدره ، وعرف من أحواله وأخباره وأسراره وشمائلهما لم يعرفه أحد سواه .
وقد لقي أنس بن مالك من كريم معاملة النبي صلوات الله وسلامه عليه ما لم يظفر به ولد من والد ...
وذاق من نبيل شمائله ، وجليل خصائله ما تغبطه عليه الدُنيا .
فلنتركلأنس الحديث عن بعض الصور الوضّاءة من هذه المعاملة الكريمة التي لقيها فيرحاب النبي السّمح الكريم صلى الله عليه وسلم ، فهو بها أدرى ، وعلى وصفهاأقوى ...
قال أنس بن مالك :
كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من أحسن الناس خُلُقاً ، وأرحبهم صدراً ، وأوفَرِهِم حناناً ...
فقدأرسلني يوماً لحاجة فخرجت ، وقصدت صِبياناً يلعبون في السُّوق لألعب معهمولم أذهب إلى ما أمرني بِهِ ، فلمّا صِرتُ إليهم شعرتُ بإنسان يقف خلفي ،ويأخُذ بثوبي ...
فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول :
(( يا أُنيس أذهبت حيثُ أمرتُكَ ؟ )).
فارتبكتُ وقلت : نعم ...
إنّي ذاهب الآن يا رسول الله ...
والله لقد خدمتُهُ عشر سنين ، فما قال لشيء صنعته : لِمَ صنعته ...
ولا لشيء تركته : لِمَ تركته ؟! .
وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه إذا نادى أنساً صغَّره تحبُّباً وتدليلاً ، فتارة يناديه يا أُنيسُ ، وأُخرى يا بُنَيَّ .
وكان يُغدق عليه من نصائحه ومواعظه ما ملأ قلبه وملك لُبَّهُ .
من ذلك قوله له :
((( يا بنيّ إن قدرت أن تُصبح وتُمسي وليس في قلبك غِشٌّ لأحد فافعل ...
يا بني إنّ ذلك من سُنَّتي ، ومن أحيا سُنَّتي فقد أحبَّني ...
ومن أحبّني كان معي في الجنّة ...
يا بُني إذا دخلت على أهلك فَسلّم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك )))
عاشأنس بن مالك بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام نيّفاً وثمانين عاماً ،ملأ خلالها الصُدور عِلماً من علم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ،وأترع فيها العقول فقهاً من فقه النُّبوّة ...
وأحيافيها القلوب بما بثّه بين الصحابة والتابعين من هدي النبي صلى الله عليهوسلم ، وما أذاعه في الناس من شريف أقوال الرسول الأعظم صلى الله عليهوسلم وجليل أفعاله .
وقدغدا أنس بن مالك على طول هذا العمر المديد مرجِعاً للمسلمين ، يفزعون إليهكُلَّما أشكل عليه أمر ، ويُعَوّلون (أي: يعتمدون) عليه كلّما استغلق علىأفهامهم حُكمٌ (أي:كلمّا أشكل عليهم حكم) .
من ذلك ، أن بعض المُمارين في الدين جعلوا يتكلّمون في ثبوت حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، فسألوه في ذلك ، فقال :
ماكنت أظنُّ أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض(يتمارون:يتنازعون) ،لقد تركتُ عجائز خلفي ما تُصلّي واحدة منهنَّ إلا سألت الله أن يسقيها منحوض النبي عليه الصلاة والسلام .
ولقد ظلّ أنس بن مالك يعيش مع ذكرى الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما امتدّت به الحياة ...
فكان شديد البهجة بيوم لِقائه ، سَخِيَّ الدمعة على يوم فِرَاقِه ، كثير التّرديد لكلامه ...
حريصاً على متابعته في أفعاله وأقواله ، يُحبُّ ما أحبَّ ، ويكره ما كره ، وكان أكثر ما يذكُره من أيامِهِ يومان :
يوم لِقائهِ معه أوّل مرّةٍ ، ويوم مُفارقتِه له آخر مرّةٍ .
فإذا ذكر اليوم الأول سَعِدَ به وانتشى ، وإذا خطر له اليوم الثاني انتحَبَ وبكى ، وأبكى من حوله من الناس .
وكثيراً ما كان يقول :
لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يوم دخل علينا ، ورأيته يوم قبض منّا ، فلم أر يومين يشبهانهما .
ففي يوم دخوله المدينة أضاء فيها كلُّ شيء ...
وفي اليوم الذي أوشك فيه أن يمضي إلى جوار ربّه أظلم فيها كل شيء ...
وكانآخر نظرة نظرتها إليه يوم الاثنين حين كشفت السّتارة عن حجرته ، فرأيتوجهه كأنّه ورقة مُصحف ، وكان الناس يومئذ وقوفاً خلف أبي بكر ينظرون إليه، وقد كادوا أن يضطربوا ، فأشار إليهم أبو بكر أن اثبتوا .
ثمّتُوفّي الرسول عليه الصلاة والسلام في آخر ذلك اليوم ، فما نظرنا منظراًكان أعجب إلينا من وجهه- صلى الله عليه وسلم- حين واريناه تُرابه .
ولقد دعا رسول الله صلوات الله عليه لأنس بن مالك أكثر من مرّة ...
وكان من دعائه له :
(( اللهمَّ ارزقه مالاً وولداً ، وبارك له ))...
وقداستجاب الله سبحانه دُعاء نبيّه عليه الصلاة والسلام ، فكان أنس أكثرالأنصار مالاً ، وأوفرهم ذُرّيّة ؛ حتّى إنّه رأى من أولاده وحفدته مايزيد على المائة .
وقد بارك الله له في عمره حتّى عاش قرناّ كاملاً ...
وفوقه ثلاث سنوات .
وكان أنس رضوان الله عليه شديد الرجاء لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له يوم القيامة ؛ فكثيراً ما كان يقول :
إنّي لأرجو أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة فأقول له :
يا رسول الله هذا خُويدِمِكَ أُنَيسٌ .
ولمّا مرض أنس بن مالك مَرَض الموت قال لأهله : لقّنوني :
لا إِلَهَ إِلا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ .
ثم ظلَّ يقولها حتّى مات .
وقد أوصى بِعُصَيَّةٍ صغيرة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تُدفن معه ، فوضعت بين جنبه وقميصه .


هنيئاً لأنس بن مالك الأنصاريّ على ما أسبغه الله عليه من خير .
فقد عاش في كنف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عشر سنوات كاملات ...
وكان ثالث اثنين في رواية حديثه هُما أبو هريرة ، وعبد الله بن عُمر ...
وجزاه الله هو وأُمَّهُ الغُمَيصَاءَ عن الإسلام والمسلمين خير الجزاءِ .

المصدر
كتاب صور من حياة الصحابة
للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله
سجل